ذاكرة مصنوعة
هنادي بدو: التي تحيي صانعة الدمى التراثية حكاياتنا وهويتنا
قمر محمد صبري لأن التراث الإماراتي زاخر بالحكايات والرموز المفعمة بالحكمة والقيم والأصالة، وجدت هنادي بدو في الدُُمية وسيلتها الخاصة لإحياء هذا التراث ونقله إلى الأجيال. فنانة إماراتية تحمل رسالة نبيلة: أن تجعل من الدُُمية سفيرة للهوية، وأداة بصرية تنبض بالحكاية، وتزرع في الأطفال حب الوطن والفخر بجذورهم. من خلال مشروعها «من قماش إلى روح»، نسجت عالما من الد ُُمى المستلهمة من القصص الشعبية والرموز التراثية، مستخدمة الإبرة والخيط والخرز والنقوش المحلية، لتعيد إحياء قيم «السنع» الإماراتي، وتجعل من كل دُُمية مرآة لذاكرة حية لا تطمسها تقنيات العصر. شغفها وحس ّّها بالمسؤولية منحاها القوة لمواجهة التحديات، فدرست وتعلّّمت، وواصلت تطوير مهاراتها حتى أصبحت دُُماها تنطق بالحنين، وتلمع ببريق الماضي في حاضر لا ينفصل عن أصالته. كان الصبر خيطها الذهبي، وكانت الحكاية خريطتها التي قادتها إلى مشاركات محلية ودولية، من بينها معرض «وجهة الرياض» في المملكة العربية السعودية، واليوم الإماراتي - الروسي في روسيا، وسواها من المنصات التي حملت من خلالها موروثنا إلى العالم. في هذا الحوار، تعود هنادي إلى اللحظة التي سبقت الدمية الأولى، لتروي لنا كيف بدأت رحلتها نحوتحقيق الغاية الأسمى: «الحفاظ على التراث». • درست فنون التصميم والغرافيك.. وعملت في مجال دراستك ِِ.. ما الذي أعادك إلى عالم صناعة الد ُُمى؟
في الحقيقة، رغم شغفي الكبير بالتصميم والغرافيك، كان قلبي دائما يميل إلى كل ما يحمل روحا ولمسة إنسانية، خاصة ما يتصل بعوالم الطفولة والتراث. لم تكن صناعة الدُُمى بالنسبة لي «عودة»، بل كانت نداء داخلياًً. شعرت أن الدُُمية قادرة على حمل رسالة، وأنها وسيلة تصل إلى قلوب الأطفال بلغة بسيطة وحنونة، وتغرس فيهم القيم الإماراتية و«السنع» بطريقة محببة. الدمى ليست مجرد أدوات للّّعب، بل شخصيات تنبض بالحياة، ت بُُرّّي وتُُعلّّم، وتُُعيد سرد حكاياتنا وهويتنا. وأنا مؤمنة بأن كل د ُُمية تُُصنع من «قماش»، لكنها في الحقيقة تنبض «بروح».
دمى تجسد الهوية الإماراتية من خلال إبراز تفاصيل التراث النسائي الإماراتي
• ماذا أضافت لك دراستك في صناعة الد ُُمى؟ رغم أن صناعة الدمى لم تكن جزءا مباشار من دراستي الأكاديمية، فإن تخصّّصي في فنون التصميم والغرافيك منحني أدوات مهمة طورت من رؤيتي الفنية. تعلّّمت كيف أوظّّف الشكل لخدمة الرسالة، وكيف أختار الألوان بتأن لتثير مشاعر معينة. كما ساعدتني دراستي في تصميم ملامح الد ُُمية بطريقة تعب ّّر عن شخصيتها، وتنقل إحساسها بصدق إلى المُُتلقي، وخاصة الأطفال الذين يلتقطون هذه التفاصيل بحس عال وشفاف. وأطمح أن تتحوّّل دُُماي إلى منصة تنبض بالحكاية، تنقل الطفل إلى عوالمها، وتجعله يعيش تفاصيلها بشغف ودهشة، كما لو كان جزءا منها. • هل هناك رموز أو قصص شعبية معينة تُُريدين الإضاءة عليها في تصميم الدمى؟ بالتأكيد، فالتراث الإماراتي كنز زاخر بالحكايات والرموز التي تنبض بالحكمة والقيم والأصالة. لا أريد لد ُُماي أن تكون مجرد قطع للعرض أواللعب، بل أطمح أن تتحو ّّل إلى منصات صغيرة تحكي، وتُُشعر، وتُُعيد الأطفال إلى جذورهم. ومن القصص التي أحب أن أضيء عليها: «سوالف الجدات، حكايات البحر والغوص، وقصص البر والسنع»، إلى جانب الرموز البصرية
المحببة، مثل: البرقع، والمِِرود، والخوص، والغوري، وغرشة العطر، والدلة والفنجان. رسالتي من خلال الدمى واضحة: نحن لا نسرد القصص فقط، بل نُُحييها من جديد أيضاًً. فكل دمية تُُخاط بمحبة، وتُُطرّّز بتفاصيل تُُشبه روح الزمان والمكان. • ما المواد والخامات التي تستخدمينها في صناعة الدمى التراثية؟ أحرص على اختيار خامات تحمل روح التراث وتلامس ذاكرة المكان، لذلك أستخدم الأقمشة القطنية والكتانية الطبيعية، وأُُضيف إليها خامات أصيلة مثل: الجلد، والخيش، والخوص، والصوف، والخيوط الملوّّنة. كما أستخدم ألوان قماش خاصة لا تتأثر بالزمن، إلى جانب الخرز اليدوي والنقوش المستوحاة من الموروث الشعبي. وأهم من كل ذلك: الإبرة والخيط... لكن بالخيط المربوط من قلبي قبل يدي. كل دمية تُُخاط بمحبة، وتُُطرّّز بعناية، لتكون قطعة تنبض بالتفاصيل، وتُُجس ّّد روح الزمان، ونكهة المكان، ودفء الحكاية. • هل واجهتك صعوبات خلال مسيرتك في هذا المجال؟ وما أبرزهذه الصعوبات؟ نعم، الطريق لم يكن مفروشا بالورود، بل واجهت العديد
من أعمال هنادي بدو
91
90 هنادي بدو: صانعة الدمى التراثية التي تحيي حكاياتنا وهويتنا
2025 سبتمبر 310 / العدد
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online