torath 300 - Oct - 2024

جواهر الأدب

أثر العابر

تهــــــــــــــــــون علينــــــــــــــــــا في المعالــــــــــــــــــي نفوس ُُنــــــــــــــــــــــــــــــا

الشعورية للحال ويحشره في زاوية نفسية واحدة تسم ّّى الأسى، فلا يعود يشعر إلا من خلالها. تطور أدب السجون لاحقاًً، وسيطرت الرواية على المشهد الكتابي لأدب السجون، والرواية نََفََس طويل في الكتابة، وربما يكون لطول مدة الإقامة في السجن أثر في تغطية الوقت، على عكس ما كان سائدا قديماًً، إذ لم يسمع في الأدب العربي القديم عن شاعر قضى عشرات السنوات داخل حبسه، فيما تكثر هذه الظاهرة اليوم وتنتج أدبا طويلا بطول الوقت الذي يقضيه المحكوم في سجنه. ويطول الحديث في هذا الموضوع خاصة لوتحدثنا عن عصرنا الحالي، ولكن يبقى المقال مجرد لمحة عن هذا الأدب الذي أخرج قصائد رائعة تعب ّّر عن حالة المسجون كاتب سوري المصادر والمراجع: . 1981 . عمرفروخ، تاريخ الأدب العربي، الجزء الرابع، دارالعلم للملايين، بيروت، 1 . أحمد هيكل، الأدب الأندلسي من الفتح إلى سقوط الخلافة، دار المعارف، 2 . 1971 مصر، . ابن الأثير، الكامل في التاريخ، دار الحديث، القاهرة. 3 . ديوان الحطيئة برواية وشرح ابن السكيت، تحقيق: د. نعمان محمد أمين طه، 4 . 1987 مكتبة الخانجي، القاهرة، . 1957 . محمد سامي الدهان، فنون الأدب العربي (الهجاء)، دار المعارف، 5 . شرح ديوان أبي فراس الحمداني، شرح وتعليق: حسن إبراهيم، دار الفكر 6 . 1994 العربي، بيروت، . 1908 . الثعالبي، يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر، مطبعة السعادة، القاهرة، 7 . الأنوار الزاهية في ديوان أبي العتاهية، الأب لويس شيخو اليسوعي، المطبعة 8 . 1914 الكاثوليكية للآباء اليسوعيين، بيروت،

الهوية والمجتمع: الجذور والتحولات

ومن يخطب الحسنــــــــــــــــــاء لم يغلِِهــــــا المهــــــــــــــــــر

ُُأعز بنــــــــــــي الد ُُّنيــــــــــــــــــا وأعلــــــــــــــــــى ذوي العُُـــــــــــــــــــــــــــــــــلا

وأكــــــــــــرم مــــــــــــــــــن فوق التــــــــــــــــــراب ولا فخــــــــــــــــــــــــــــــــــــر

لتصبح تلك القصيدة واحدة من أشهرالقصائد المغناة. في العصر الأندلسي كانت حكاية الوزير هاشم بن عبد العزيز الذي كان معروفا بالعجب بنفسه وشديد الفخر والتيه، وقد أفسد أحوال البلاد ما جعل الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط يأمر بحبسه، فكتب في سجنه قصيدة إلى جاريته عاج: وإنّّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي عدانــــــــــــــــــــــــي أن أزروك مطبــــــــــــــــــــــــــــــــــــق وبــــــــــــــــــاب منيــــــــــــــــــــــــع بالحديــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد مضبّّــــــــــــــــــب ُُفإن تعجبــــــــــــــــــي يــــــــــــــــــا عــــــــــــــــــاج ممــــــــــــا أصابنــــــــــــــــــي ّّــــــــــــــــــب ففــــــــــــــــــــــــــــــي ريــــــــــــــــــب هذا الدهــــــــــــــــــر ما يتعج ومما كتبه إلى الوزير وليد بن غانم وهو في الأسر أيضا ًً: ّّــــــــــــــــــة بالدمــــــــــــــــــع نهنهــــــــــــــــــت خوف أن ُُفكم غص يُُســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر بمــــــــــــــــــا أبديــــــــــــــــــه شنــــــــــــــــــآن كاشــــــــــــــــــح ُُتحاملــــــــــــــــــت عنــــــــــــــــــه ثم نادمــــــــــــت في الد ّّجــــــــــــى نجــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوم الثريــــــــــــــــــا والدمــــــــــــــــــوع سوافـــــــــــــــــــــــح ومن الشعراء الذين سُُجنوا وكتبوا في سجنهم ابن زيدون، الشاعر المشهور بحبه لولادة بنت المستكفي، وكان وزي ار وقد نافسه في حبها وزير آخر هو ابن عبدوس، وحين س ُُجن ابن زيدون بسبب وشاية عنه لدى السلطان، نظم شع ار في سجنه، لكنه كان استعطافا خاليا من التذلل: ِِمن يســــــأل الناس عــــــــن حالــــــــــــي فشاهدهــــــــــــا محض العيــــــــــــان الذي يُُغنــــــــــــي عن الخبــــــــــــــــــر لــــــــــــــــــم تطــــــــــــــــــو بُُــــــــــــــــــــــــــــــرد شبــــــــــــابي كبــــــــــــــــــرة وأرى ٌٌبرق المشيــــــــــــب اعتلــــــى في عارض الشعـــــــــــــر ِِقبــــــــــــل الثلاثيــــــــــــــــــن إذ عهــــــــــــد الصبا كثــــــــــــــــــــــــب وللشبيبــــــــــــــــــــــــة غصــــــــــــــــــن غيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــر م ُُهت ََصــــــــــــــــــر ِِيا للرزايــــــــــــــــــا قــــــــــــــــــــــــــــــــــــد شافهــــــــــــــــــــــــت منهلهــــــــــــــــــــــــــــــا غم ار فمــــــــــا أشــــــــــــــــــرب المكــــــــــــــــــــــــروه بالغُُمََـــــــــــــــــــر يغلب على شعر المساجين الرثاء للحال، فبين حياٍة واسعة مترفة يقضونها خارج الأسوار وحيا ٍة ضيقة لا تعدو أمتا ار يتغي ّّر الشعروتتبدل حالته، ويكتسب حل ّّة الحزن لفقد ما كان عليه، فلا يعود ينشد سوى العودة إلى ما كان عليه، وغالبا ما تأتي القصائد السجينة قصيرة أو قليلة إذا ما قيست بحجم القول حين يكون الشاعرح ار طليقا وكأن ضيق المكان يضي ّّق الحالة

هل الهوية عامل جوهري أصلاني ثابت لا يتغير؟ أم هي في حالة صيرورة قابلة للتحديث والتبدل بحسب متغيرات الزمن؟ سؤال على قدر ما يبدو منطقيا في الطرح، إلا أن محاولة الإجابة عنه ليست بالأمر السهل، وإذا ما نقلنا السؤال إلى حقل الأدب: هل يحاول الأديب أن يعكس في أدبه وإبداعه الهوية السائدة المسيطرة في المجتمع؟ أم إنه يبحث ما وراء الاغتراب الوجداني الذي ينتاب الشخصية الإنسانية المعاصرة مع وفرة المتغيرات الكثيرة التي نعيشها الآن؟ هل يبحث عما هو ثابت أم عما هو متغير؟ إن السؤال الجوهري الذي يؤسس لمفهوم الهوية يعكس انقسام الرؤية حولها بين كونها ثابتا مطلقا وجوديا جوهرياًً، أو متغي ار ومتبدلا ومتقلبا يؤثر في المحيط من حوله، ورغم أن الرؤية التراثية في الثقافة العربية لا تولي أهمية لتعريف ملموساًً ا � الهوية، وربما انطلق ذلك من تعزيز كونها شيئ ومعروفا حتى إن لم نكن نمسك بمفهوم فلسفي واضح له، فهي من «هو» ذلك المتعين الواضح المعروف، لذا لم يكن الأمر مستغربا أن يعرّّف (الشريف الجرجاني في كتابه معجم التعريفات) الهوية بأنها: «هي الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق، واشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق»، وهي هنا تتخذ طابع الاشتمال والاحتواء وأنها الأصل والجوهر، ولو افترضنا وجود نواة صغيرة منها فهي المشتملة على كل خصائص ما سينبع عنها، تماما كما تشتمل الجينات الأولى في نشأة الجنين على كل معطياته، ومن ثم فإنني أرى أن استقصاء معاني «هو» و«هوية» في المفهوم التراثي يدلنا على نوع من الجوهرية والثبات حول ذلك العامل الذي يحدد م ََن نكون، وما يجب أن نكون عليه، وهو هنا معطى ينحو إلى المثل الأعلى، وفي الرؤية التراثية فإن ثمة إشارات إلى احتمال كون هذه الهوية متغيرة أو متبدلة أو متفاعلة مع ما يحول منها من جوهر إلى آخر. على صعيد آخر، فمن وجهة نظر اجتماعية، ورغم أنه يوجد الكثير من الاختلافات حول تعريف الهوية أيضاًً، فإنه يمكن النظر إليها على أنها «... مجموعة

حمزة قناوي شاعر وناقد مصري

السمات والخصائص المشتركة التي تميزأمة أو مجتمعا ًً، يعتز بها وتشكل جوهره ووجوده وشخصيته المتميزة»(رضا شريف: الهوية العربية والإسلامية وإشكالية العولمة في فكرالجابري)، إذا هل الهوية هي ذلك الخاص المتفرد بالشخص؟ أم تلك الجماعية المشتركة بين أفراد المجتمع؟ هل نبحث عن جوهر أم صيرورة؟ سؤال محير لكل من يهتم بالهوية، لكن كمحاولة توسط بين الإشكاليتين، يمكن القول إن هناك مستويات عدة من الهوية، هناك الهوية الفردية، ثم هوية الأسرة، ثم هوية العائلة، ثم الهوية الإقليمية، ثم هوية الدولة، ثم هوية الثقافة العربية أو الغربية، ثم الهوية العالمية الكونية وهكذا. كلما صعدنا في المستوى انتقلنا مما هو مختلف إلى ما هو مشترك، وكلمة هبطنا إلى الفرد ابتعدنا عما هو مشترك إلى ما هو مميز وجوهري، حتى نصل إلى حقيقة أن لكل فرد من أفراد البيت الواحد في الأسرة الواحدة هويته الخاصة به، وأحلامه وطموحاته وتطلعاته وطريقته في إدارة الأمور وولاءاته وانتماءاته، إلى آخره من السمات التي تدل على جوهر الهوية الكامن في كل فرد. إن مشكلات الهوية وأسئلتها وخصوصيتها تطرح مسائل المكان والتاريخ وعلاقاته المتقاطعة والمتداخلة بين الشرق والغرب، وتجاذبات التراث المشرقي في عالم الحداثة وما بعدها بصورة لافتةٍٍ، وهو ما يحقق أبعاد فكرة الهوية ومفهومها وحضورها السوسيولوجي والفكري في عالمنا المتغير اليوم باعتبارها أساسا أصيلا للإنسان في انشداده لجذوره وتاريخه وحقيقته

101 2024 أكتوبر 300 / العدد

100

لمحة عن أدب السجون في التراث العربي

Made with FlippingBook. PDF to flipbook with ease