تراث النغم
كان النغم، وما زال، مثارجدل فلسفي وديني. اتفق الجميع أنه ظهربظهورالإنسان الذكي، منذ سكنه الكهف، وكان الاختلاف على وظيفته على مدى العصور. في علم اللسانيات المعاصر: النغم ظاهرة لسانية، به ألسن ولغاٌت ولهجاٌتٌ، تماما كالمنطوق كلاماًً. فبعض من درس عصور ما قبل التاريخ، افترض أن الإنسان كان يتواصل مع أقرانه البعيدين عنه، بصرخاٍت بألحان ما، تعبيار عن حالة ما، من خطر ٍٍ، أو طلب عون ٍٍ، أو تنبيه لأمر ما. ورأى بعض علماء اللسانيات الذين درسوا تلك العصور، أن بعض النقرات على أسطح أو باليدين، كانت تعطي الإشارات نفسها. فإذا كان النغم بدأ عند أجدادنا حاجة للتواصل؛ فمن أين ترس ّّخ النغم بصفته غذاء للروح، أو بصفته ظاهرة تعبيرية احتفالية في فرح أو ت ََرََح؟ «وهذه الصناعة (يقصد صناعة الغناء) آخر ما يحصل في العمران من الصنائع، لأنها كمالية في غيروظيفة من الوظائف؛ إلا وظيفة الفراغ والفرح. وهي أول ما ينقطع من العمران أيضاًً، ق العليم». عبد الرحمن بن ا عند اختلاله وتراجعه. والله الخلّا خلدون، مقد ّّمة «العِِبََرْْ». لا يُُستغرب رأي ابن خلدون، وهو المط ّّلع على كتب الفلسفة وعلم الكلام والموسيقى، أن يكون هذا رأيه. فهو، كغيره من العلماء المعاصرين له والسابقين عليه، يفصل النغم إلى مذاهب وأنواع، فالترتيل والتلاوة عندهم، غير الغناء. والذكر والإنشاد في الحلقة، غير الغناء في الأعراس. الحداء عندهم مختلف عن الندب. صحيح يجمع بينهم، تنظيارًً، علم الموسيقى، لقياس نسب الأبعاد،... إلخ؛ لكن العمل فيه يختلف باختلاف الطبع. فكل ما ليس على دورة إيقاٍع ظاهرٍٍ، ليس لحناًً. وهذا أمر يُُتوََس ََّع الكلام عليه في مقاٍل مستقل ّّ. ًًا فالقصد بـ «صناعة الغناء» عند فلاسفة المسلمين، هوتحديد ما يخص بلاطات الملوك وطبقتهم. لذا، ربطه بازدهار الدولة أو انحدارها. فإذا اتّّخذنا من هذا الافتراض مسلكا نبني عليه، ذهبنا إلى النغم بين السكينة والاستعراض
والسطو على موارد الكون، باسم المدني ّّة والتحض ّّر. تحو ّّل كل شيءٍٍ، بهذا النهج، إلى منتج ومستهلك. لم تُُستََثْْن الفنون من هذا، فأصبح الحكم على الأجمل، بمنطق الأكثر مبيعاًً. دخل الاستعراض المادي في كل فنّّ. في النغم: أصبح ضخامة العمل، عدد المؤدين، ضخامة الصوت، ما يعطي الهيبة في أنفس السامعين. أضحى كل أمر يخص النغم بمنطق النجم، المشهور. ما المشهور: الأكثر جاذبيّّةًً، ولو بما تشمئز منه المسامع؛ المهم أنه قد أخذ أصواتا أكثرفي برنامج المسابقات والتحد ّّي هذا أو ذاك. تحيا ديمقراطية الغرب!!! لنترك كل هذا دون تعليق ٍٍ، سوى أن هذا المنطق، إن بدا في ظاهره غالبا على أنحاء الكرة الأرضية، لكنه لا يمكن استمراره في أغلبها. في حضارة أمتنا، على امتداد دولها واتّّساع رقعتها: الأصل أن الحد الفاصل بين التلاوة والترتيل، والغناء والتلحين؛ انتظام دورة الإيقاع. وعليه، لم يختلف الأداء، صوتاًً، بين الشكلََين إلا في النص. فانتظام دورة الإيقاع، اللحن عندهم، تلزم انتظام إيقاع النص، أي الشعر. لذا، لم ّّا ك ُُت ِِب ََت أشعارالمدائح النبوية، وأشعار الحكمة ومكارم الأخلاق، ونصوص الابتهال، انتظمت الدورة الإيقاعية في بعض النغم الديني. قلّّت ْْ، على إثر هذا، المسافة الفاصلة بين الغناءين (الحلقة والدكّّة) أي حلقة الذكرودك ّّة السمع، تفرقة بين الديني والدنيوي. فكلاهما سمع للسمع والوصول للسكينة. أما المسافة التي اتّّسعت، فبين غرض السكينة، وغرض الاستعراض. فهي المسافة بين النغم المذكور، وذاك النغم المُُس ََبََّب باحتفاٍل أو للعمل في المهن المختلفة، أو للجيوش في الحروب. فللنجارون نغم يضبطون به إيقاع عملهم، كذلك للبنّّائين وغيرهم من الصنائع. وأعقد هذا كان عند البحّّارة لضبط إيقاع السفينة. كل هؤلاء، لا ما يوصلهم لغرضهم منه. أمّّا من أخذوا ا يلزمهم من النغم إلّا النغم وسيلة للسكينة، فلزمتهم علوم الموسيقِِى وعلوم اللغة من نحو وصرف وأوزان كالعََروض، بل وبعض العلوم الطبيعية لقياس النسب والسيطرة على الحنجرة وطبقاتها، وعلى الآلات وصناعتها. صمد النغم الداعي إلى السكينة في أمتنا أمام سوق النغم الاستهلاكي، بفضل تلاوة القرآن والذكر، ومعه أغلب التعبّّد في تنوّّع مذاهب هذه الأمة وأديانها. حافظ النغم الديني، حتى على ما انقرض من نظيره الدنيوي، أو كاد. نقول كاد لأنه يكاد ينقرض أمام الاستعراض أو «سوق الفن».
عودة لافتراض ابن خلدون: رغم قوّّة الأمل في بعث حضارة أمتنا من سباٍت طال؛ ما زال هذا البعث بعيدا في عموم الفنون، والنغم خصوصاًً. فالازدهار للنغم الداعي للسكينة، ليس بالمسابقات والتحدي، بل بالرعاية ودعم العلم والعمل. نغمنا، بشهادة علماء ومستمعي وفلاسفة أغلب الكرة الأرضية المعاصرين، يدعو إلى السكينة والسلام النفسي في أصله. تنقصه الرعاية والدعم في العلم والعمل، فإذا تحقّّق له هذا، ابتعد عن صرعة الرغبة في تقليد الآخر المستعمر، أو المُُسْْتََعْْرِِض! هذا الذي ولّّد الكره والعنف. فإذا ذهب هذا الاستعراض من الفكر، عادت السكينة لسائر نواحي الحياة، اّّر بمستقبل مُُشرق نضيء به الكون وعاد الإبداع إلى أمتنا مبش ونسهم في حمل شعلة الحضارة الإنسانية
مصطفى سعيد عازف وباحث في علم النغم
افتراض آخر، مفاده أن النغم كلّّه ظاهرة لسانيّّة، فلنحاول البناء بحيث نصل لمعنى هذه الحاجة، الحاجة للنغم. بدأ النغم عند الإنسان ضرورةًً، للتواصل مع أقرانه. فلمّّا توسّّعت الألسن واللغات، واستقر الإنسان في مجتمعاٍتٍ، مستوطنة أو مرتحلة، أصبح النغم تعريفا وتميي از لمعتقدات هذا المجتمع أو ذاك. ثم فتح النغم مجالات يجول فيها فكر الإنسان للتواصل مع القوى الغيبية، والمعتقدات الدينية ًًا والعقدية، في خلواته أولاًً. أما في الجماعة، فكان النغم تعبير عما يجول في نفوس الناس من فرح وترح، سعادة أو غضب، فاجتمع الناس للنغم الجماعي في الاحتفال بالمواليد، والحزن على المفقود، في الارتحال والحرب، في المحبّّة والتباغض. لتعد ّّد الأسباب، أصبحت الحاجة للنغم حاجتين: إم ّّا للسكينة، وإما للاستعراض. فمن أراد الدخول في أعماق نفسه، والتواصل مع كل جميل ٍٍ، ظاهر أو غامض، كان مقصده من النغم السكينة. أمّّا من كان ذا سطوةٍٍ، يريد إبرازها، أو يريد ٍ أو منافس أو صديق، �ٍّ إعلانا لحدث ما، أو إيصال رسالة ما لعدو ورأى في النغم وسيلة لمراده هذا، كان النغم وسيلة استعراض مثل كل طرق الاستعراض. فإذا تركنا الماضي السحيق، إلى التاريخ الحديث والمعاصر: وجدنا في الثورة الصناعية ضالتنا لإثبات افتراضنا هذا. بدأت الثورة الصناعيّّة علمية في أصلها، فابتُُكِِرََت الآلات والحيل التقنية المختلفة لتسهيل حياة البشر. ثم ما لبثََت أن استحاَلَت ْْ، بفعل القوى الكبرى، إلى أداة لفرض الهيمنة
117 2024 أكتوبر 300 / العدد
116 النغم بين السكينة والاستعراض
Made with FlippingBook. PDF to flipbook with ease