أبواب الإمارات التراثية: منجز إبداعي وإرث حضاري
الظروف البيئية والاجتماعية والدينية، فتنبََّهت إلى ضرورة وأهمية المحافظة على هذا المكوّّن التراثي وصُُوره التقليدية في مباني المدن والأحياء العتيقة، وذلك للحفاظ على هذا الإرث المعماري الفريد، الذي تحو ََّل في عدد من المدن القديمة إلى متاحف ومباٍن حكومية، وأسواق تراثية، مثل: القرية التراثية في أبوظبي، وسوقََا الزعفرانة والقطارة في العين، وقلب الشارقة، وسوق العرصة، وبيت النابودة، وبيت المدفع في الشارقة، وقرية التراث في الشندغة وقرية حتّّا التراثية، وسوق الراس في دبي، وقرية التراث في الفجيرة، والجزيرة الحمراء في رأس الخيمة. ولأن ثمة سلام عميق بين الحداثة والتراث في الإمارات، فإن ذلك يبدو جليا في المباني، سواء كان ذلك في هيكلها العام أو في بعض جزئياتها مثل الأبواب، فكلما تمادت أجزاء من أبوظبي ودبي في التباهي والضخامة، تنامى الحنين إلى الأصول. ومن الواضح جليا أن التاريخ والطبيعة من مصادر الإلهام الشائعة للعديد من المباني في الإمارات؛ فهناك الكثير من المباني الحديثة التي شملتها موجات النشاط العمراني المزدهر في سبعينيات القرن العشرين بحداثة ملموسة رصينة اقترنت بعناصر شرقية وعربية أصيلة، وشابهت كثي ار من عناصر الطبيعة العربية في الإمارات، فمنها ما شابه شكل الشراع، أو شجرة النخيل، أو السيف العربي، أو خيام البدو، أو الكثبان الرملية المتحركة إعلامي مقيم في الإمارات المصادر والمراجع . أبواب دبي التاريخية، سعيد عبد الله الوايل، الشارقة: 1 م. 2021 أوستن ماكولي للنشر،
نبض جاذب. وتركز النقوش الخشبية في الأبواب والمباني في الإمارات على استلهام موضوعات ذات طابع بيئي محلي، وعلى صياغة تلك الموضوعات والعناصر في أسلوب هندسي بسيط، ما جعل هذه النقوش تتََّسم بذوق فني ينسجم مع طبيعة المكان، وتحمل دلالات ومعاني جميلة ومميزة. وقد شغلت هذه الزخارف أماكن محددة في الأبواب الخشبية، مثل «البرقع» وسط الباب، الذي يحمل أكثر الحشوات الخشبية تمي از وجماًلاً، وكذلك واجهة الباب، إضافة إلى إطار الباب. وتنوعت هذه الزخارف ما بين هندسية ونباتية كما هو معروف في فن الزخرفة الإسلامية. وتجلت في الوحدات الزخرفية الهندسية قدرة النجار المحلي المبدع على توجيه الطاقة الكامنة في الأشكال الهندسية البسيطة، مثل الدائرة والمثلث والمربع والمستطيل والمعين، وتحريكها في اتجاهات وبطرق مختلفة، ومزاوجتها بعضها مع بعض لتوليد أشكال وفراغات تحيل الباب إلى قطعة فنية رائعة. وتعددت الصيغ والرموزالتي استخدمها المبدع الإماراتي في التعبير عن فنونه الزخرفية التي كانت أكثر ارتباطا بالكون ومظاهر الطبيعة من حوله؛ فاستخدم الهلال والنجمة تعبي ار عن التفاؤل، حيث الارتباط الواضح لهذين الرمزين بالسماء وخالقها، كما أن للنجوم فوائد واستخدامات حسابية وفلكية لها ارتباط بحياة المسلم. وشغلت الزهرة مساحات في نقوش الأبواب، لما تحمله من معا ٍن ودلالات أكثر تعبي ار وقداسة. وتنوعت المظاهر والجماليات التي رافقت صناعة الأبواب المحلية؛ فإلى جانب النقوش الزخرفية، وُُجدت بعض النقوش الكتابية التي تؤرخ لصناعة الباب أو فيها ذكر لصاحب المبنى، فبالإضافة إلى البسملة أو بعض أبيات الحكمة، قد نجد بعض
الرموز والأشكال البسيطة. وظهرت «البيذانة» كعنصر زخرفي جميل، وهي عبارة عن شكل مدبب من الطرفين ومنفوخ في الوسط، ويتم رسمها بواسطة الفرجار لتتولد من تقاطع مجموعة من الدوائر. كما ظهرت «الشمسية» بين الرموزالمهمة التي استخدمت في صدر الباب التقليدي، وارتبطت بمعاني النور والإشراق وأشعة الشمس المشرقة، وقد ترددت في كثير من الأبواب الخارجية والداخلية للمنازل وكذلك للمساجد. خشب الأبواب ونظ ار إلى ندرة الأخشاب في البيئة المحلية، وعدم توافرأشجار محلية تناسب شريحتها حجم الباب، فقد اضطر النجارون للاعتماد على طريقة تجميع شرائح خشبية إلى جانب بعضها لإتمام صنع الأبواب. وقد كانت تلك من أكبر المشكلات التي كانت تواجه النجار في صناعة الكثير من الأعمال التي تحتاج إلى قطع خشبية عريضة، كالأبواب والنوافذ والصناديق الخشبية، وكان التغلب على هذه المشكلة يتم بصف شرائح مناسبة إلى جانب بعضها من الأخشاب المتوافرة محليا كخشب السدر والإثل، وكما كان يفعل في أسلوب بناء جسد السفينة، لكن هذه المشكلة بدأت تتضاءل تدريجيا بعد أن توافرت بعض الأخشاب المستوردة الأكثر جودة وفاعلية. ففي غياب النباتات الكبيرة، كان لا بد من استيراد الأخشاب لبناء القوارب والبيوت، وصناعة الأبواب التي شكّّلت الأخشاب المادة الأساس فيها. وظهرت هذه الصناعة مع رواج التجارة البحرية بين سواحل الخليج، وانتشرت مع كساد مهنة صناعة السفن، وتدهور مهنة الغوص على اللؤلؤ، إذ ازدهرت النجارة في ظل هذه الظروف، لتوفير متطلبات البناء المواد الأولية للمستوطنات والتجمعات السكنية التي بدأت في النمو والامتداد الحضري، وواصلت مع هذا النمو العمراني تجارة الخشب ازدهارها، وكان خشب الساج يستورد من الهند، بينما كانت أخشاب القرم تستورد من زنجبارولاموقبالة ساحل شرق أفريقيا. حفظ الموروث كانت الإمارات من أوائل الدول الخليجية التي رأت في الأبواب التراثية منجاز إبداعيا وإرثا حضاريا عظيما تََحََقََّق على أرضها، بفضل أجياٍل من الحرفيين عملوا على تطويره وأخذوا على عاتقهم الارتقاء بحرفتهم بما يتوافق مع مختلف
ترجمة موسى الحالول، أبوظبي: مشروع كلمة للترجمة بمركزأبوظبي للغة العربية م. 2023 التابع لدائرة الثقافة والسياحة، أبوظبي، . صحيفة «الاتحاد»، أعداد مختلفة. 5 . صحيفة «الإمارات اليوم»، أعداد مختلفة. 6 . صحيفة «الخليج»، أعداد مختلفة. 7 . العمران التقليدي في دولة الإمارات العربية المتحدة، محمد مدحت جابر عبد 8 م. 2000 الجليل، العين، مركز زايد للتراث والتاريخ، نادي تراث الإمارات،
. الأبواب والنقوش الخشبية في عمارة الشارقة التقليدية: دراسة شاملة لأنواع 2 الأبواب والشبابيك والزخارف والنقوش الخشبية في مدينة الشارقة، سعيد عبد م. 2003 الله الوايل، الشارقة، دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، . الحرف والمهن في دولة الإمارات، عبد الله صالح، الشارقة، دائرة الثقافة 3 م. 2008 والإعلام، الطبعة الأولى، . الدليل العمراني لدولة الإمارات العربية المتحدة، هندرك بوليه، جان ديموغ، 4
برج مراقبة الشندغة
15
14
2024 أكتوبر 300 / العدد
الأبواب التراثية.. منجز إبداعي وإرث حضاري
Made with FlippingBook. PDF to flipbook with ease