torath 300 - Oct - 2024

أبواب الإمارات التراثية: منجز إبداعي وإرث حضاري

أبوابنا في الثمانينيات أمثولات رمزية وجمالية

لولوة المنصوري تأخذ الأبواب مع الزمن مدلولا أمومياًً، كلما شاخت ازدادت رقة وحنوّّا ولهفة على طارقيها، هي الحاضن الأول للوصول والشاهد الأول على دمعة العودة قبل أن يصل النداء إلى الداخل. وأكثرها أمومة ما كان منها صامدا في الوحشة ومغلقا منذ زمن بعيد جداًً، حيث لم يعد أصحابه يمشون في البيت.. ولا على وجه هذه الأرض، وما عادوا يطرقون أبواب العالم. لهذا نحن نبحث دائما في أعماق الأبواب القديمة، وليس كبحثنا في الشبابيك أو الجدران. الباب هوية الأجساد الساكنة والمتحركة في البيت، الأجساد الوامضة بطقس العيش والتكافل، يتكيّّف الباب مع الحالة السلوكية لأجساد العائلة التي قد تشبه في انسجامها وتنافرها الباب نفسه، يؤثرالباب في حركتنا الروحية والنفسية داخل البيت، كما أننا نؤثّّر فيه حين نختار له علامات أسلوبية تعكس إيقاعنا الداخلي، فليس الأمراعتباطا اختيارنا لشكل الأبواب، بل هو شأن روحي غيبي موصول بالخليقة. الباب معبأ بدلالاتنا ودرجات انسجامنا مع الزائرين والعابرين. أبواب الثمانينيات في الإمارات كحال أبواب العالم ص ُُدِِمََت أبوابنا في الإمارات بالمعاصرة، وتقبّّلت الأمثولات الجديدة التي فرضتها الحداثة على المجتمع، وودّّعت عنصرها الخشبي العامر برائحة الحقول والمزارع والغابات واحتوت الاندماج المفاجئ بالحديد والنحاس، ذاهبة إلى التبسيط المتناهي في الزخرفة والتشجير وتعزيز فكرة الفراغ والصمت الموحي ببدء مرحلة الاستقلال الأسري عن بيت ما قبل الخمسينيات الذي كان ممتدا بسلاسة متجذرة العروق، وبشجرة كبيرة لعائلة واحدة.

رمز النمو في الفضاء الأزرق

باب بسيط لكنه احتفالي بألوانه الثلاث والقوس التموجي بين أنحائه

الباب روح، وباب الثمانينيات في الإمارات يستمد جوهره من القيم الروحية وطبائع المكان الجغرافي والسوسيولوجي والتاريخي، فهو ذو قيم شكلية ووحدات أسلوبية متشابهة وخاصة أبواب البيوت الشعبية الموزعة من الحكومة، نجد لها وظيفة احتفائية جمالية متفردة ومشتركة في الآن نفسه، باب حديدي استجاب لجمالية فكرة الاتحاد، مهيأ للحداثة المنفتحة على هندسات الوجود المعماري في الحياة، في المقابل هو باب يحفظ حقوقه وهويته ومفرداته الرمزية، فقد نجد تلك الأبواب التي تحمل شعار الدولة وعلمها أو أنصاف سعفيات النخيل ومدلولات الضيافة والكرم ومرموزاتها التراثية المعب ّّرعنها برصانة لونية، كعلامة بارزة لهوية الاتحاد والتلاحم الشعبي في الوطن. ثم تأتي أبواب أخرى لتحكي عبر عتبتها قصة التلاقي مع أبواب شعوب الأرض، وخاصة الأيقونات النباتية والطيور التي تنمو في جهة ما من غابات الهند العظيمة، فنجد بتلات

زهرة اللوتس على شكل موتيفات تجريدية متناظرة، أو بعض الدلالات الفلكية الإسلامية مثل الهلال والنجوم أو الدورة القمرية وحافة قرص الشمس الدو ّّارالمنبثق عنه دوائرصغيرة متناظرة ومتوازية. وقد تكرر ذلك التأثر بالفلسفة الشعبية الصينية عبر رموز لا مباشرة من خلال التشكيل الملخص في (التناغم) تناغم واتحاد ورقتين متشابهتين وسط فراغ هائل، أو رموز متضادة في لونها واتجاهها، لكنها متشابهة في شكلها، كدلالة موحية بـ (القطبية) فكل الأشياء المتضادة تعطي حياة / والتشابه وعدمه هو الشيء نفسه / ثم إن الحقائق كلها ما هي إلا أنصاف حقائق، وقد يمكن التوفيق بين المتناقضات كلها، كمبدأ أصيل في التوازن ما بين الين واليانغ. كذلك نجد على الأبواب الأشكال الهندسية المتداخلة بتبسيط متناٍه ومكرر، مثل الدوائر التي تحوي في أرحامها المربعات ويعلوها قوس مقطعي. تكرار الوحدة الواحدة والفراغ والتوريق والتسطير هي الثيمة البارزة في أبواب الثمانينيات، كما برز

التأثر بجنوب الجزيرة العربية وغربها عبر تنميط جمالي لرسم أوراق العنب ذات الثلاثة فصوص، وعناقيد العنب المتعانقة في انحناءات وحلزونات تتخذ شكل كؤوس مكررة. وقد يُُصب بالحديد وفق هيئة تشكيلية اسم صاحب البيت بالكامل على الحاجب العلوي للباب، وناد ار ما تحتشد الزخارف والأشكال الهندسية التي تأخذ طابع المعمار الإسلامي، إلا في أبواب المساجد والأبواب الرسمية، حيث يتم فيها تعزيز فكرة الامتلاء الداخلي المكتفي بنفسه، فيبرز الباب الصوفي الكبير المزخرف بموتيف (النجمية) أو الأطباق النجمية المشغولة بدقة عالية وبتداخلات لا متناهية من الخطوط المستقيمة وحشوات الذرات الداخلية في ضلع كل نجمة تلتقي بصفتها المستقلة بنجوم لا متناهية أخرى. تحولات الباب: من الرمزية إلى البساطة يتحول الباب كما تتحول الأشياء في الكون، يتحول الباب في

23

22 أبوابنا في الثمانينيات أمثولات رمزية وجمالية

2024 أكتوبر 300 / العدد

Made with FlippingBook. PDF to flipbook with ease