torath 300 - Oct - 2024

أبواب الإمارات التراثية: منجز إبداعي وإرث حضاري

الأبواب التراثية.. جمال معماري وحكايات عريقة

مريم سلطان المزروعي أسهم الإنسان في بحثه الدؤوب عبر الأزمنة المختلفة لدى سائر الأمم والحضارات عن أفضل الطرق والأساليب في جعل البناء الذي يسكنه في توافق تام مع مختلف الظروف الداخلية والاجتماعية والظروف المحيطة، والتي لعبت فيه الأجزاء والقطع الخشبية الدورالأكبرعلى اعتبار أنها الوسيلة التي تربط المبنى بالمحيط الخارجي، ما أدى إلى ابتكارات وحلول علمية مهمة حققها الإنسان. فلقد تعددت أنماط العمارة التقليدية في دولة الإمارات العربية المتحدة، وتنوعت لتشمل المباني السكنية والدفاعية والخدماتية والتجارية والدينية، والبيت التقليدي يختلف باختلاف البيئات الاجتماعية، وهذه العمارة تعكس تاريخ وتراث وحياة المجتمع المحلي من خلال نسيجها العمراني الموجود في أزقة أحيائها وساحاتها وطابعها المعماري، وتعتبر الزخارف بأنماطها الهندسية والنباتية والخطية من أهم سمات العمارة التقليدية، حيث تم استخدامها في مواقع عديدة في المباني التقليدية لتكون نهايات أعمدة أو حواجز فراغية أو قوالب جصية فوق الفتحات أو في الأبواب التقليدية. فالاختلاف في البيئة الطبيعية المحيطة بالإنسان المحلي لها دور في اختياره للمواد والخامات المختلفة التي استخدمها في البناء والتشييد، ساعدته في تحقيق إنجازات جيدة وكبيرة، كما كان للبيئة المناخية تأثيرها الواضح في الأنماط المعمارية، وبالاختلاف ما بين الساحل والداخل، اختلفت مواد البناء المستخدمة. وللمكان هوية فريدة للفضاء المستمد من الوحدة المعنوية المحسوسة المرتبطة بالإنسان مادة وإحساساًً. فالإنسان يتكيف ويتحد ماديا وعاطفيا مع المكان الذي منه يستمد هويته، وهوية المكان تتبلور لدى الإنسان في التكوين

الطبيعي والعمراني بناًء على الأنشطة التي تُُمارس فيه والدلالات والمعاني التي يتصف بها. وقد من الله - سبحانه وتعالى - على الإنسان بنعمة عظيمة وثروة دائمة من نباتات وأشجار تتوافر في مختلف البيئات حتى في عمق الصحراء القاحلة، فالأشجار دخلت في أعمال البناء والشبابيك وفي صناعة الأثاث والمقابض والأدوات ونجارة الأبواب. والأبواب تمثل أحد العناصرالرئيسية في التكوين المعماري للمباني التقليدية المحلية وجزءا حيويا ضمن منظومتها المتكاملة، فالأبواب لها وظيفة خصوصية فهي الرابط ما بين الداخل والخارج، كذلك وسيلة إيحاء في الوظيفة العامة للمبنى، كما تبين الحالة الاقتصادية التي يتمتع بها صاحب المنزل، ونلاحظ أنه كلما كانت أبواب المباني أو القصور كبيرة وذات عناصر زخرفية عميقة أظهرت مدى اليسر الذي تتمتع به هذه العائلة، والباب يستمد بساطته من بساطة المبنى نفسه، وهناك بعض من المنازل التي لم تكن تُُغطى مداخلها سوى بقطعة من القماش مع بقاء الباب مفتوحا طوال النهار بسبب العلاقات الاجتماعية الجيدة ما بين أبناء الحي الواحد الذين تربطهم علاقات وصلات وأنساب عائلية، ويكتفي الداخل عبر الباب الخارجي بالاستئذان والإعلان عن نفسه من خلال عبارات صوتية متعارف عليها؛ فغالبا ما يكون الداخل ممن له صلة أو قرابة من أهل الدار، أما الغريب فلم يكن له حاجة في الدخول إلى وسط الدار. فأصول الضيافة

كانت تستدعي وجود مكان لاستقبالهم في المجلي القريب من المدخل دون الاتصال بباقي فراغات المنزل. ومع مرور الوقت كان لها أغراض دفاعية أولا وقبل كل شيء، ويبدو ذلك واضحا في بعض القرى المهجورة أوالبعيدة، ويأخذ الصانع في اعتباره أهمية هذا المعنى وابتكار أقفال قوية وحصينة، كذلك في المحلات التجارية والمخازن (البخّّارات) التي تحوي البضائع والسلع، والتي عادة تظل من دون عامل، مما يعني أهمية اطمئنان التاجر على بضاعته وتجارته. ومع مرور الزمن ومع دخول عناصر معمارية وزخرفية عديدة على المبنى التقليدي، وتشييد العديد من المباني ذات الطابع المميز، بدأت الحاجة تتأكد لمواكبة هذا التطور في صناعة الأبواب التي هي جزء مهم مكمل للمبنى. وكان شكل الباب ونوعه من أكثر السمات للمكان هوية فريدة للفضاء المستمد من الوحدة المعنوية المحسوسة المرتبطة بالإنسان مادة وإحساساًً. فالإنسان يتكيف ويتحد ماديا وعاطفيا مع المكان الذي منه يستمد هويته

53 2024 أكتوبر 300 / العدد

52 الأبواب التراثية.. جمال معماري وحكايات عريقة

Made with FlippingBook. PDF to flipbook with ease