أبواب الإمارات التراثية: منجز إبداعي وإرث حضاري
التي تلجأ إليها البشرية في مسعاها اليومي، لتكون على صلة معها، وتحقق حضورها النفسي والاجتماعي في شبكة الحياة المعقدة بغية أن تكون هذه المسميات الرمزية أبواب شروع نحو أمل يومي مرتجى. فالباب هو حقيقة وفي نفس الوقت رمز ومجاز؛ على سبيل المثال منذ القديم حتى يومنا هذا فالباب كواقع مادي يعد أحد وسائل التشخيص للغنى والفقر، فالأسر الثرية تدل أبوابها الكبيرة والمزخرفة والمنقوشة بواقع حالها الاقتصادي؛ بينما أبواب البيوت الفقيرة تعين النوع الاجتماعي والاقتصادي معا لساكنيها ببساطتها الشديدة وتشبهها مع غيرها من ذات النوع الاجتماعي. في قصيدة الشاعر الباكستاني فيض أحمد فيض «أصابع الريح» تلعب الريح دور المخادع إذ طرقات الباب ما هي إلا أنامل الريح والباب وتكريس للعزلة يقول فيض: لا أحد يا قلبِِي الحزين ُُ، لا أحد ه ُُنا، هل يعودون ََ؟ / لا لم يأت ُُ، ما من أحد / برّّما تائه يمم وجهََه إلى شطر آخر / مرة أخرى، يزورُُنا الحزن / تناثر غبا ُر النجوم وانسكب الليل ُُ/ تراقصت مصابيح البيوت الناعسة /وخفّّت خ ُُطى العابرين ََ، غادر الضيوف / وناَم الشارع بعد طول انتظاٍر / ثم ّّت ََ، غباٌر عابث طمس آثاَر الأقدام ِِ/ اِِنفخ على شموع ِِك، وض ّّب القارورة وكأس السلاف ِِ/ ثم أقفل عينيك الأرقة كبيت مظلم ومهجور / لا أحد ه ُُنا، وما من قادم يطرق بابك وإن مصادفة. وبطبيعة الحال، يُُستخدم الباب في الأدب كرمزللبدايات الجديدة أو النهايات. ويمكن أن يكون فتح الباب بداية لفصل جديد في حياة الشخصية، أوإغلاقه نهاية لفصل
وتتجلى شعرية التبويب في الأدب في العديد من الأشكال والأبعاد الرمزية، ومنها ما يمثل نقطة انتقال بين حالتين أو عاَلَمين. يُُفتح الباب أحيانا ليُُدخل البطل إلى مغامرة جديدة أو عالم مغاير فمثلا الأبواب في رائعة لويس كارول «أليس في بلاد العجائب» تلعب دوار انتقاليا لأليس من الواقع إلى عالم العجائب، عالم جديد مليء بالمغامرات والعجائب. واستعمل الباب بالمعنى المجازي كثي ارًً. إذ الحياة تتكون من حالات أو من أبواب ملموسة حقيقية وأخرى رمزية ينبغي أن تشرع فمن وظائف الباب الذهاب والإياب، الفضول الخارجي والتطلع الداخلي، الحماية والعقاب والرقابة الأمل، اليأس. ففتح الباب أو إغلاقه يكون دائما مصحوبا بمجموعة من الانطباعات لذا للوقوف على بعض هذه الانطباعات نقوم بذكر بعض ما ورد من العرب عن «الباب». يتمتع الباب في العقل العربي برمزية قوية جداًً، مثل ما تكون عليه العقليات الأخرى بالمراجعة إلى التراث العربي نرى أن العرب توسعوا في مدلول الباب؛ حيث أخذوا يطلقون هذه الكلمة على معاٍن مجازية، لأنهم وجدوا للحياة أبوابا غير أبواب البيوت، وللسماء بابها الواسع وعلى باب الله تظهر الصباحات عن الكثير من الحكمة والرزق والصبر والطمأنينة، فالسماء بابها فسيح للبشرية جمعاء، وهو من أكبر الأبواب الرمزية التي عرفتها الإنسانية والذي يلتجئ إليه الناس في مختلف الظروف النفسية والحياة لها أكثر من باب فثمة باب السعادة وباب الرزق وباب الصبر وباب الأمل وباب الحب وغيرها من الأبواب المختلفة
نوزاد جعدان تعد الأبواب من أبرزالمفردات التي وجد فيها الأدباء قيمة جمالية وطاقة دلالية للتعبيرعن رؤيتهم الحديثة. وقد استخدموها رم از لدلالات متعدّّدة ومتناقضة أحياناًً. وهذه التعدّّدية الدلاليّّة تنبع من حركة الأبواب ومدى علاقتها بمختلف أشكال الحياة الاجتماعية، ومن أهم هذه الدلالات على توظيف «الباب» باعتباره رم از فاعلا للتعبيرعن الأفكاروالمعتقدات إضافة إلى دلالات عميقة وموحية؛ فاليتيم يشبه نفسه بالباب لأن الاثنين مقطوعان من شجرة، كما يعتبر الباب رم از للضيافة والأمان. ويمثل حاج از يضمن الأمان للسكان داخل المنزل فإن كان بريد الريح سيئا فيجب إغلاق الباب «الباب الذي يأتي منه الريح سد ّّه وأستريح»، كذلك لا يخل علم الإدارة الحديث من رمزية الباب فسياسة الباب المفتوح التي اختصر فيها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مفهوم التطوير الشامل الذي يعتمد بشكل رئيس على التطوير الإداري والارتقاء بمنظومات العمل الإداري والمؤسسي. الأبواب آذان البيوت فليبق الباب مفتوحا كي لا يتلصص من الثقب الظلام
67
66
2024 أكتوبر 300 / العدد
الأبواب آذان البيوت فليبق الباب مفتوحا كي لا يتلصص من الثقب الظلام
Made with FlippingBook. PDF to flipbook with ease