أبواب الإمارات التراثية: منجز إبداعي وإرث حضاري
آخر، أو ربما دخول حالة من اليأس كما في قصيدة إدغار آلان بو «الغراب» تلعب طرقات الباب دورا رئيسا في زيادة الحزن والفقدان. فالطائر الغراب الذي يدخل من باب الغرفة يصبح رم از للألم والمعاناة التي لا تزول: وبالكاِد كنت أسمع / وهنا فتحت البا َب على مصراعي ْْه ِِ، لم يكن غير الظلام ولا شيء أكثر /في أعماِق الظلام وقفت م ُُحدقا بنظرة داكنة/.... لكن لا شيء يشق قلب الصمت والسكون /فقط كلمة أثيرة همست بها: «لينور؟.. قط هذا ولا شيء أكثر. عدت إلى الغرفة، وكل ما بأعماقي يمورُُ/ .......... لكن، حط بكبرياٍء على باب غرفتي / على تمثال بالاس قُُبالة باب غرفتي/ جثم مُُستريحاًً، ليس أكثر /وجدت في طائر الأبنوس سلوتي، في إطلالتِِه العابسة. وعلى نفس المنوال تمضي قصيدة الشاعربدرشاكرالسياب إذ يمثل الباب باب الحنين إلى الأم وتكريس لوحدة المرض وتشجير الموضوعات الفرعية وربطها بالفكرة المحورية فـي صـورة شـبكة العلاقـات الموضوعاتية: الباب ما قرعته غير الريح في الليل العميق/ الباب ما قرعته كفك أين كفك والطريق / ..... آه لعل روحا في الرياح/ هامت تمر على المرافئ أو محطات القطار/ لتسائل الغرباء عني عن غريب أمس راح يمشي على قدمين وهو اليوم يزحف في انكسار/ ...أماه ليتك لم تغيبي خلف سور من حجار لا باب فيه لكي أدق ولا نوافذ في الجدار / الباب
تقرعه الرياح لعل روحا منك زار هذا الغريب هو ابنك السهران يحرقه الحنين /أماه ليتك ترجعين شبحا وكيف أخاف منه وما امحت رغم السنين.. وت ُُستخدم الأبواب كرمزللعزلة والاغتراب. والأبواب المغلقة تعكس الحواجز التي يواجها الأفراد في التواصل مع الآخرين وفي محاولاتهم لفهم الذات والعالم من حولهم، كما تمثل الحدود بين الحلم والواقع. كذللك تعكس التحولات النفسية والعاطفية التي تواجهها. من جانبه، يدعو الشاعر الجورجي بولات أكودجافا في قصيدته أغنية عن الباب المفتوح إلى عدم ترك الأبواب مغلقة بل هي دعوة إلى فتح الأبواب : عندما تصرخ العاصفة الثلجية كوحش ويطول عواؤها الغاضب / لا توصدوا أبوابكم فليبق الباب مفتوحا /وإذا ما انبسط الطريق الطويل / فتخيلوا طريقا صعبا ولا تنسوا أن تتركوا الباب مفتوحا على مصراعيه / فليبق الباب مفتوحا / وإذا ما خرجتم في هدوء الليل / فلتحسموا أمركم من دون كلام كثير: ولتمزجوا نار أغصان الصنوبر مع نيران أرواحكم في الموقد /فإذا الجدران تصبح دافئة /والأريكة وثيرة /الأبواب المغلقة لا تساوي قروشا / والأقفال الموصدة - لا تزيد عن كوبيكات ! ولم تخل ثيمة الباب في مؤلفات الأختين برونتي فمثلا وظفت إيميلي الأبواب في روايتها الوحيدة «مرتفعات ويذرنغ» بشكل رمزي لتمثل الفاصل بين العوالم المختلفة والعواطف المتباينة. فالباب المغلق يعكس القسوة والعزلة، بينما الأبواب المفتوحة تمثل الدفء والاستقبال، أما أختها الكبرى الروائية شارلوت فقد عبرت في روايتها «جين آير» عبر الأبواب الأسرار المكتومة والعوائق التي تواجه قصر ثورنفيلد أما الباب المغلق فيشير إلى الغرفة التي تحتجز فيها بيرثا ميسون، الزوجة المجنونة، لتعكس القيود المفروضة على الشخصيات والسر الذي يؤثر على حياة الجميع ونرى نفس هذه الانطباعات تعبي ار عن لحظات أمل، وانهزام، وبكاء، وندم وضياع، وانكسار وسقوط وما ذلك؛ مثل هذا التعبير الرائع لمحمود درويش عندما تماهى مع آخر ملوك غرناطة قائلا ًً: كي أ ََمر غدا قرب أمسي. س ََت ََرف ََع ق ََش ْْتا َلَه / تاجها فََوْْق مِِنْْذََنََة الله. أََسْْمََع خََشْْخََشََة لِِلْْمََفاتيح في باب تاريخنا الذهبي، وداعا لتاريخنا، ه ََل أََنا م ََن س ََيُُغ ْْلِِق باب الس ََّماِء الأخير؟ أنا زفرة العربي الأخير، هنا درويش يرى شعبه في التيه والآن يتحسرعلى ما كان عليه شعبه من مجد؛ حيث بقي في حسرة على باب يفتح عليه ذلك الازدهار التي مرت به الأمة العربية.
هذا العبقري يفتح نصه الشعري ليتناص مع المذخور الشعبي في هذا المجال؛ حيث يستوعب المثل الشعبي القائل: «الباب اللي يجيك منه ريح سده واستريح»؛ استيعابا تاماًً، ويظهر موفّّقا في صهره في صلب نصه الشعري، حيث زاوج بين مفهومين لكلمة «الباب» واتخذ من الباب بؤرة أمل لشعب كابد ًًا أهوالاًً، وحطمت قراه، وعانى من التشريد بعد أن كانت رمز للشر والمشاكل في النص الموروث وذلك بإيلاجه في فضاء لغوي يدل على الأمل؛ حيث نرى علامات الحياة في المستقبل تتراصف بتكرار لفظة «مازال» في كل مقاطع القصيدة لتفتح باب الأمل للشعب الفلسطيني المنكوب والكلمة هذه تدل على البقاء، كما أن الأمل يأخذ معنى شاملا في التعابيرالتالية؛ مثل: وجود الجنين في الأحشاء، والحطب في الموقد، والدماء في القلوب، والحصير في البيوت وشيء من العسل في الصحون، فكل هذه التعابير تعني على الترتيب استمرار الحياة، والدفء والإنارة والثورة من أجل مستقبل زاهر، والتمتع بحلاوة الحياة، وحتى احتفاظ البيوت بالأبواب، يكسي دال «الباب» مسحة من الأمل؛ لأنه مادامت الأبواب موجودة على البيوت فلا أحد يستطيع اقتحامها؛ لهذا يأمرهم بغلقها بفعل حركي ليستعيد فيهم الحركة وروح النضال: «ما زال في صحونكم بقية من العسل / ردوا الذباب عن صحونكم / لتحفظوا العسل ما زال في بيوتكم حصيرة .. وباب / سدوا طريق الريح عن صغاركم ليرقد الأطفال / الريح برد قارس.. فلتغلقوا الأبواب.. هذا المعنى عند الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي يتحوّّل إلى هاجس الاغتراب والترحال، إذ يبين حال اللاجئين ويجسم
واقعهم المرويسأل عن لسان الإنسان الغريب اللاجئ. فالاغتراب والترحال هيمن على النص وشحن دال الباب بهذه الشحنة وشكل الباب بوصفه مطروقا بالنسبة إلى الإنسان الفلسطيني المشرد عتبة مكانية تدل على السأم والملل، فالواقف وراءها ينتظر الخروج من مرارة الاغتراب التي أخذ يحسن بها بكل وجوده حتى أنه اعتبر هذا الاغتراب موتاًً: «ليل المنافي في محطات القطار بلا عيون / ييكون تحت القبعات، ويذبلون، ويهرمون يا من رأى «يافا» بإعلان صغير في بلاد الآخرين / يافا على صندوق ليمون معفرة الجبين يا من يدق الباب، نحن اللاجئين متنا «ونرى نفس الشحنة الدلالية لدال «الباب» عند سميح القاسم، خاصة وأنه كفلسطيني كابد مرارة العيش، ينص على معاناته من الصعاب والأهوال مبينا كل الظروف التي تجبر الفلسطينيين على الهجرة: «أماه إن بقاءنا في هذه الأرض انتحار / السوس في كتبي ... وفي قلبي يغيم الاحتضار / أمي... طحنت الماء في المقهى ومسحت كل موائد الملهى وطردت من باب إلى باب وتهرأت نعلي وأثوابي / وشتمت في صلف وطعنت في شرقي. والآن ونحن على أبواب عام جديد، يرافقني كلام أبي كمفتاح الباب أينما أذهب وهو يردد: افتح أبواب قلبك للنور ..الأبواب المغلقة يلتهم الظلام سكانها... كاتب وأديب سوري
69
68
2024 أكتوبر 300 / العدد
الأبواب آذان البيوت فليبق الباب مفتوحا كي لا يتلصص من الثقب الظلام
Made with FlippingBook. PDF to flipbook with ease