torath 300 - Oct - 2024

ارتياد الآفاق

الصيام في دمشق يقول المؤلف: «لم أجد في الصيام مشقة تذكر، الحرمان الرئيسي كان الحرمان من التدخين بالطبع، وقد كنت أنام جزءا لا بأس به من النهار. اتخذنا لأنفسنا العادات التالية خلال رمضان كنا نستيقظ نحو الساعة التاسعة والنصف نتوضأ ونقرأ بعض الصحف أو الكتب إلى الحادية عشرة ثم عادة ما نخرج بعد التجوال في الأسواق نحو ساعة من الزمن، وبعدها نلجأ إلى المسجد الكبير بانتظار صلاة الظهر ونبقى أنا ومسعودي في المسجد نقرأ أو نستمع إلى حلقات الذكر والمحاضرات إلى حين صلاة العصر ومن ثم نقفل عائدين إلى الفندق نبتاع ما نحتاجه على الطريق من حلوى أو فواكه وما إلى ذلك باعتبارها «إفطاررمضان». والغروب الذي يعلنه الأذان يبدأ بإطلاق نار مدفع ثم تتم تأدية صلاة المغرب التي تحتاج إلى دقيقتين وباستطاعة المؤمن بعد أذان المغرب أن يبدأ بتناول الطعام، وعادة ما ندخن النرجيلة في المقاهي بعد سد الرمق لمدة ساعتين من الزمن ثم نتوجه إلى أحد المطاعم لتناول وجبة كاملة والمزيد من القهوة والنرجيلة، ومن ثم الحمام التركي، ونمتع أنفسنا أحيانا بمشاهدة بعض العروض الغنائية في المقاهي وكان هناك الكثير من الفرق الغنائية أو نذهب إلى بعض المقاهي الخالية من الصخب، حيث نستمع

من ينبع إلى «جدة»، وقد اضطروا إلى النزول من السفينة على بُُعد ميل تحملهم قوارب إلى الشاطئ، غير أنه قرر البقاء في جدة أياما عدة مستمتعا بتناول اللحوم المشكوكة المشوية على الفحم، وزيارة قبر حواء، وليتأكد أيضا أن أحدا لا يراقبه، ثم اكترى الجمال وخرج من جدة، وبعد حادثة سقوطه بسبب موت جمله، واصل المسير على جمل آخر إلى مكة حتى وصل إلى العمودين الأبيضين اللذين هما بداية الحرم في مكة وسط لحن مهيب وفق وصفه عنوانه «لبيك اللهم لبيك»، وبعد المرور بنقطة التفتيش في «مكة» وصل إلى منطقة «منى»، ومن هنا تبدأ رحلته الحقيقية مع الحج، وتنتهي الرحلة بعد أداء جميع المناسك والتوجه من مكة إلى جدة حيث تفرق الزملاء وذهب كل إلى وجهته. مسعودي إلى «مومباسا» وعبد الواحد إلى بلاد «فارس» أما صاحبنا «وافل» فقد عاد باتجاه «مصر». لقطات من الرحلة لقد هنأ الرجل نفسه على حسن اختياره لدمشق لتكون مركز إقامته للتدرب على «الأسلمة» بدلا من مصر، حيث قال إنه لو اختارمصرلف ُُضح أمره، وذلك من وجهة نظره لسببين: فضول المصريين، وبشرتهم السمراء، أما في دمشق فقد وجد نفسه غير مختلف عن سكانها، إلا أنه اضطر إلى الصيام ظاهريا ًً.

إلى الحكواتي أو نقرأ لتمضية الوقت». وفي الأيام الأخيرة من رمضان، وقعت فتنة في المسجد الكبير عندما وعظ وهابي الناس بترك زيارة ضريح النبي يحيى، وأصيب «آرثرجون وافل» في كتفه الأيسر إصابة مؤلمة. التجهز للرحيل والحو ّّالات اللابنكية يقول الكاتب: «اقترب وقت الرحيل وبدأنا بالاستعداد للسفر.. ابتعنا ملابس الإحرام، وهي أثواب بيضاء نحتاجها لدخول مكة ولأيام الحج الثلاثة وابتعنا خيمة أيضاًً، وحص ارًً، وجرابا وضعنا به أمتعتنا، وبعض أدوات الطهي، ولم ننس النرجيلة ومؤونة من الشاي والتبغ، فهي أرخص ثمنا في دمشق منها في المدينة. أودعت ما بقي معي من مال مئتي جنيه مع صديقنا عبد الله الذي أعطاني حوالتين، واحدة لحسابه في المدينة المنورة والأخرى في مكة حيث لا مصارف في المدينتين. قصة الجثة والتذكرة.. وفتوى المحامي المصري! في واقعة طريفة وغرائبية يقول: «... عندما استفقت كنا قد قطعنا شوطًًا كبي ار واندلعت مشادة كبيرة حول المسألة التالية: مجموعة من المغاربة العرب مروا على التفتيش في الحجر الصحي، وكانوا في منتصف الطريق إلى متن السفينة عندما توفي أحدهم، لم يقبل ربان السفينة استقبالهم، ولم تقبل شرطة الميناء أن يرجعوا أدراجهم، فتوجهوا إلى السفينة لكن العجم رفضوا رفضا قاطعا أن يستقبلوا الجثمان، ولم يكونوا قادرين على رمي الجثمان إلى البحر حيث لابد من تغسيله وتكفينه والصلاة عليه. كان الخلاف حول حقهم في وضع الجثمان على متن السفينة، طُُلب من محام مصري أن يفتي في الأمر من وجهة نظر القانون فبت رأيه على أحقية الراكب في الصعود إلى السفينة حيا أو ميتا مادام قد اشترى تذكرته خصوصا أن التذكرة لا تنص على حياة صاحبها بعد البيع، تكوّّنت التذكرة من قصاصة ورقية كتب عليها اسم السفينة ورقم الراكب، ولا شيء غير هذا. أجد هنا ضرورة لنقل هذا المشهد للقارئ الحرم الشريف: فهو وصف بالغ التأثير كونه صدر من رجل لم يُُسلم، إلا أنه لم يستطع تجاهل مشاعر الرهبة والجلال في رؤية الكعبة، يقول: «.. قررنا التوجه إلى الحرم الشريف فوار للطواف بعد أن صلحت أمورنا وتناولنا وجبة جيدة جدا وعلى الطريقة الأوروبية أي على مائدة مع صحون وشوك وسكاكين، وبعد أداء الطواف

يمكننا أن نبدل ملابس الإحرام بملابسنا الاعتيادية التي كنا بشوق إليها». وجدنا أنفسنا أخي ار في الساحة الكبيرة التي تتضمن مجموعة الأبنية التي قدمنا لرؤيتها هناك أمام أعيننا كانت الكعبة ورداؤها الأسود دهشة لناظره بتناقضه مع لون الرخام الأبيض المتلألئ تحت أشعة الشمس، من الكعبة انتقل نظرنا الممتلئ رهبة إلى القبة غير المزخرفة التي تغطي بئر زمزم المطهر، ثم إلى الآثارالتي تدل على مقام كل من الأنبياء إبراهيم وإسماعيل ومحمد، والصفة الحجرية التابعة للشافعية المثيرة للفضول، ومن ثم غرق نظرنا في متاهات الأعمدة المحيطة بالمكان، إن التأثير البارز الذي يتركه هذا المشهد هو تأثير مكان غير اعتيادي فهو ليس بالباذخ ولا يمكن وصفه بأنه متكلف إنما هو يجيش في نفس ناظره روعة الإبهارويشعرالمرء بصورة غريزية أنه ينظر إلى شيء فريد من نوعه، فلا يماهيه أي شيء آخر في العالم. ولا أدري إن كانت الملائكة الحارسة للمكان تقطن

81

80

2024 أكتوبر 300 / العدد

م مشاهدات آخر رحالة أوروبي يزور الحجاز في نهاية الحكم العثماني 1908 رحلة الحاج المعاصر إلى مكة عام

Made with FlippingBook. PDF to flipbook with ease