torath 300 - Oct - 2024

أدب ونقد

الإلغاز والتشويق مع بداية النص دفعت الكاتبة بالعديد من الاستباقات، حين كشفت عن بعض خيوط الأحداث المغلفة بالغموض، وأرجأت تفسيرها لمرحلة متقدمة من السرد، فبينما أضاءت ما تتجرعه البطلة اليتيمة من صنوف القسوة والكراهية، على يد زوجة أبيها «فطيم»، دون أن تنال أختها الشقيقة القسوة ذاتها، أرجأت تفسير هذا اللغز، كذلك نوهت عن صلة تربط سرور بما تتعرض له بطلتها من غبن، وأرجأت الكشف عن طبيعة وسر هذه الصلة، وأشارت إلى صندوق فطيم، الذي تختبئ فيه الحقائق وحلول الألغاز، وأرجأت الكشف عن محتوياته للمرحلة الأخيرة من السرد. وأفصحت عن سر خطير يفشيه أبو خلفان لزوجته، يترتب عليه زلزالا تتصدع على إثره حياة البطلة، وأرجأت الكشف عن هذا السر أيضاًً. وضمنت عبر هذه الاستباقات إضفاء مناخ من الضبابية على الأحداث، أتاح لها زيادة جرعة التشويق بالنص، وكذا زيادة إحكام قبضتها على القارئ «لقد قام بأدوار عديدة ومهمة وغير عادية، أهمها ما سوف يََسر به لزوجته أم خلفان في لحظة ضعف أو صفاء وهو لن يسرب لها س ار عاديا بل سيخبرها بأخطر الأسرار التي سيكون لها فعل الزلزال في مجرى الأحداث في حياتي كلها» . 199 ص رث ونفيس استعادت الكاتبة أزمنة بعيدة انقضت، واتخذت منها فضاًء للسرد، لذا عمدت إلى تعزيز واقعية نسيجها، عبر ما رصدته من مفردات البيئة المحلية في تلك الحقبة، وما وثقته من موروثها. فاعتمدت تقنيات الوصف لرسم ملامح حياة البادية

الشعبية مثل، الهريس، والخبيص، والعصيدة، والسحناة. وتطرقت إلى المهن الشعبية مثل مهنة المطوع والمبشر، والاعتقادات الشعبية كالاعتقاد في الجن وفي تجوالهم ليلاًً، والأمثال الشعبية مثل «الح ََب على بذرة، البُُعد بُُعد القلوب لا الدروب، الجديد حبه شديد، اللي ما يدانيك يخرب معانيك...». وتطرقت كذلك إلى الموروث من العادات الاجتماعية، مثل عادة تجهيز زهبة للعروس؛ التي تحوي أدوات للزينة وثيابا وحليا وعطوار وأغطية ودواشق وغيرها، إضافة إلى عادات أخرى، مثل حكرالذهاب إلى المجبر؛ على الرجال وحدهم دون النساء، وكذا منعهن من الصيد رغم مشاركتهن للرجال في أنواع أخرى من العمل، وفي تحم ّّل أعباء الحياة، لا سيما عبر التجارة في الأسواق مثل سوق «العرصة»، وعرض منتجاتهن فيه، والتي كانت تتنوع بين السحناة، والحناء، ومطحون النبق، والإثمد ... كذلك وثقت الكاتبة منظومة القيم المتوارثة، التي كانت بمثابة تشريعا شعبياًً؛ أُُتفق عليه ضمناًً، لا يحيد عنه أبناء المجتمع، مثل التكافل، والتراحم، ومد يد العون لكل محتاج، والإيثار، والكرم، والتضحية، وحقوق الجيرة وصيانة حرمة الجار. «إلا امرأة الجار فهي كالابنة والأخت والأم، لها ، لكن الكاتبة إضافة إلى ما 20 كل الحشيمة والاحترام» ص رصدته من موروث ثمين ومضيء، حرصت على رصد أنماط من الموروث السلبي أيضاًً، التي تجاوزها المجتمع وتغلب عليها، مثل النظرة القاصرة للمرأة، التي كانت تُُحرم بموجبها من حقها في التعليم، والحب، وفي اختيارالزوج، وت ُُجبرعلى البقاء حبيسة الجدران ضريبة لأنوثتها، تلك النظرة التي كانت تعد الكتب بيوتا للشياطين، والتعليم مفسدة للأخلاق «رأى الأهالي في التعليم مدخلا واسعا للشيطان... وقد أباح كل رب أسرة

تلك التي اشتعلت في دواخل الشخوص، وعززت انقساماتها، مثل انقسام سرور بين حبه وبره بأبيه، وبين حقده عليه بعد أن تزوج حبيبته عاليا، بين إيمانه بالقيم الدينية، وضعفه أمام غرائزه، وانقسام محمد بن أحمد بين ولائه لزوجته الأولى التي ساندته وأفنت شبابها من أجله، وأنانيته وسعيه للفوز بجسد امرأة شابة وجميلة، وانقسام فطيم بين إنسانية تحضها على تربية ابنتي ضرتها اليتيمتين، وبين كراهية وحقد راسخين في قلبها، وسعي للانتقام من أمهمها فيهما. وكما كان التناقض وقودا للصراع، كان مبرار للتحولات التي ألمت بكل الشخوص أيضاًً، مثل مطر الذي تحول من البراءة إلى المجون، ثم تحول من الفساد إلى الصلاح، والأب الذي تحول من السيطرة إلى العجز، وفطيم التي تحولت من الرأفة إلى القسوة، ومن القوة إلى المرض، وسرور وعاليا اللذان تحولا من النقاء إلى السقوط في براثن الخطيئة. وعبر كل ما نسجته الكاتبة من صراعات، وما قدرته من تحولات؛ اشتبكت مع قضايا اجتماعية شديدة الخطورة، مثل التفكك الأسري، الذي يقف خلفه عادة انقياد الزوج خلف شهواته وغرائزه، بزعم اتباع الدين والشريعة. كما تطرقت إلى قضايا جندرية، سلطت عبرها الضوء على تاريخ من الغبن، وإرث من التهميش تحملته النساء، وعلى تضحيات قدمنها ومازلن يقدمنها عن طيب خاطر، بينما تذهب سدى أحياناًً، وتؤول إلى نهايات فجة من التنكر والخذلان كاتبة وصحفية مصرية

موروث من العنصرية والتمييز على أساس اللون، الذي وقف حائلا بين البطلة وسعادتها، حين رفض أخ لا يعرفها ولم يحطها برعايته قط؛ زواجها من «خلفان»، لا لشيء إلا لسواد بشرته! ثيمة التناقض على امتداد خط السرد رصدت الكاتبة كما هائلا من التناقضات، التي هيمنت على كل عناصر السرد، بداية من الطبيعة التي تشح بقسوة وتعطي بسخاء، ومروار بالنفس التي تحمل مزيجا من الخير والشر معا ًً، ففطيم التي أفنت عمرها في الكفاح من أجل زوجها وأسرتها، هي ذاتها التي تمنت موت ضرتها وابنتها، ولم تهب لإنقاذ أيهما من الموت، وسرور الابن البار الصالح، هو نفسه الذي خان أبيه ولوث شرفه، وعاليا الفتاة البريئة الرحيمة هي ذاتها المرأة الماجنة التي تنازلت عن إنسانيتها، وتحللت من الفضيلة، وأهل قرية الصيادين الذين يتكبدون المشقات للحج وأداء الفرائض والطاعات، هم أنفسهم الذين لم يعطفوا على طفلة مسكينة ويتيمة، بينما يهبون لنجدة بعضهم بعضاًً، وهم يمارسون التشفي أحيانا فيمن يطاله المصاب! وقد أرادت الكاتبة عبر إبراز كلا الجانبين المظلم والمضيء من النفس الإنسانية، زيادة جاذبية شخوصها، على نحو يعزز حالة التماهي من النص، ويبرز انتصارها للنفس البشرية، المجبولة على النقص والخطأ. كذلك حفزما رصدته من تناقضات، حالات الصراع في النص، سواء على المستوى الخارجي، بين فطيم وعاليا، وعويش وفطيم، وسروروعاليا، أو

لنفسه الوقوف في وجه كل ابنة تطاولت على أبيها ودغدغت عقلها مثل هذه الأفكارأو تمنتها س ار ومنذ ذلك الحين كثرت القصص والحكايات التي تكشف عن الضرب والعنف . 222 الذي يجري خلف الأبواب» ص كما أضاءت «النمر» موروثا من التطير، لا يتورع أن يحمّّل طفلة يتيمة مسؤولية موت أمها أثناء المخاض، فيما يغض الطرف عما وسم تلك الحقبة من قصورصحي، وانعدام سبل الرعاية الطبية، التي قضت نتيجة لها أعداد كبيرة من النساء. وتطرقت كذلك إلى

وأهلها، الذين كانوا يمتهنون الرعي والزراعة والصيد والتجارة. وصورت البيوت التي كانت تُُشيد من الطين والمدر وأحجار البحر، والأدوات التي كان يعتمد عليها الناس في حياتهم شديدة البساطة، مثل القدور المدهونة بالرماد، وسلال الخوص. ورصدت بعض أنواع الزي الشعبي مثل الغترة، والشيلة، والبرقع، والعباءة، والغشوة..، وكذا الاحتفالات الشعبية مثل «التحميدة»، التي تقام للأطفال عند حفظهم بعض آيات القرآن. كما رصدت أنواعا عديدة من الأكلات

97

96

2024 أكتوبر 300 / العدد

رسائل عشاق.. رواية تكشف تناقضات النفس وتوثق موروث القيم والعادات

Made with FlippingBook. PDF to flipbook with ease