جواهر الأدب
لمحة عن أدب السجون في التراث العربي
ُُألقيــــــــــــــــــت كاسبََهــــــــــــــــــم فــــــــــــي قعــــــــــــر مظلمــــــــــــــــــــــــة
الحمداني، فقصيدة (أراك عصي الدمع شيمتك الصبر) من أشهر القصائد المغناة التي قيلت في أدب السجون قديماًً؛ إذ خرجت بمعناها وأغراضها عن الاستعطاف وحده لتكون عبارة عن حكاية شعرية تصف الحال وما قبله وما بعده، ففي
فاغف ِِــــــــــــــــــر عليــــــــــــــــــك ســــــــــــــــــلام اللــــــــــــــــــه يا ع ُُمــــــــــــر يغلب على شعر الشعراء المساجين الاستعطاف أكثر من المدح، لكن في مواطن أخرى يظهرالمديح، ومن ذلك حين أمر هارون الرشيد أبا العتاهية أن يقول شع ار فأبى، فأمر الرشيد
ُُمطلعها يلوح الحزن والرثاء لحال نفسه: ُُأراك عصــــــــــــــــــــــــي الدمــــــــــــع شيمتــــــــــــك الصبــــــــــــر
بحبسه فكتب إليه وأنشده مستعطفا ومادحاًً: وكلََفتََنــــــــــــي مــــــــــــــــــــــــــــــا حلــــــــــــــــــت بينــــــــــــــــــي وبينــــــــــــــــــــــــــــــه
أمــــــــــــــــــا للهــــــــــــــــــوى نهــــــــــــــــــي عليــــــــــــــــــك ولا أمــــــــــــــــــــــــــــــر
ًًوقلــــــــــــــــــت سأبغــــــــــــــــــي ما تريــــــــــــــــــــــــد ومــــــا تهــــــــــــــــــوى
واتخذت موضوعاٍت متعددة كالغزل: ِبــــــــــــــــــا يستفزهــــــــــــــــــــــــــــــــــــا �ِّ ُُوقُُــــــــــــــــــــــــور وريعــــــــــــــــــــــــان الص
فلــــــــــــــــــو كــــــــــــان لــــــــــــي قلبــــــــــــــــــان كل ّّفـــــــــــــــت واحـــــــــدا
المخطئين، ثم تطورت فكرة السجون في العصر الأموي والعصور اللاحقة حتى وصل إلى حاله اليوم. يختلف نزلاء السجون بقضايا مكوثهم في السجن وأسبابها، لكن سجن الأدباء يكون أشد وطأة عليهم ممن اعتادوا اقتراف الخطايا ونيل العقاب، فمن المعروف أن الأديب يمتلك حساسية شاعرية عالية تجاه المواقف والأشياء والأشخاص والمظاهر وغيرها، وأنه يتنفّّس حرية مبنية على حريته في التعبير، لذلك يكون الإحساس بفقدان الحرية مضاعفا لدى هؤلاء، وغالبا ما تأتي استجابتهم الشعرية لواقع الحال في السجن أكثر استعطافا ًً، لأنهم مدركون أن لا سبيل لديهم لرد العقوبة إلا بالطريقة التي يجيدونها وهي قول الشعر، وسيتكف ّّل الرواة (الإذاعة قديماًً) بإيصال الشعر إلى مبتغاهم. ومن البديهي في بيئة تتنف ّّس شع ار وأدبا وتعظ ّّم أهمية الكلمة وجودتها أن يكون للشعر الم ُُستعط ِِف المشحون بالعاطفة والتذلل والطمع في نيل المغفرة من ولي الأمر أثر في الاستجابة لنداء السجين الأديب أو الشاعر، ومن ذلك استعطا ُف الحطيئة للخليفة عمر ٍٍبن الخطاب حين أودعه السجن: ُُمـــــــــــــــــــــــــــــــــاذا تقــــــــــــــــــول لأفــــــــــــــــــراخ بــــــــــــــــــذي مــــــــــــــــــــــــر ََخ ٍٍز ُُغـــــــــــــــــــــــــب الحواصــــــــــــــــــل لا مـــــــــــــــاء ولا شجـــــــــــــــــــــر
جميل فؤاد لحام ظهرأدب السجون قديما ًً، لكن بداياته العربية كانت خجولة ولم يحظ بالانتشار الكبير، ليس بسبب خلو البلاد العربية قديما من السجون، لكن، ربما، لأنها كانت بلادا يسودها مفهوم القبليّّة، فالقبيلة ليست في حاجة إلى سجن ٍٍ، إذ من النوادر الخروج عن طاعة شيخ القبيلة، والقانون فيها نافذ على الجميع، وحق المخطئ العقاب وفي حالات أخرى كان النََّفي، وهذا أقسى ما يمكن للمرء أن يعانيه أن يكون بلا قبيلة ينتسب إليها، والسجن من هذا أقل إيلاماًً. وردت كلمة السجن في القرآن الكريم: (ودخل معه السجن فتيان) مما يعني أن السجن حالة قديمة لم تكن معروفة عربيا كثي ارًً، ومن الجدير بالذكر أن بناَء السجون قد بدأ مع بدايات الدولة الإسلامية، لكنه لم يكن بهذا المفهوم المتسع كحال السجون اليوم أيضا ًً، فقد ذ ُُكر في الروايات أن السجن كان موجودا في عهد الخليفة عمر بن الخطاب إذ أمر بسجن الحطيئة في بئر لاستباحته أعراض المسلمين، وتلاه في هذا علي بن أبي طالب، الذي أنشأ مكانا في الكوفة لمعاقبة
هــــــــــــــــــواك وكلفــــــــــــــــــت الخلــــــــــــــــــي لمــــــــــــا يهــــــــــــــــــــــــوى ومن الشعراء الذين وصلتنا أخبار دخولهم السجن أبو نواس، شاعر الخمرة وإمام وص ّّافيها فيقال عندما تولى محمد الأمين الخلافة بعد هارون الرشيد، وكان صديقا لأبي نواس، جاءه أن المتربصين به أشاعوا بين ا أبو نواس في بغداد ومدحه، إل ّا الناس وعلى المنابر أن خليفة المسلمين الأمين يتخذ نديما شاع ار ماجناًً، مما حدا بالأمين إلى أن يأمر بحبس أبي نواس، إلا أن الروايات لم توثق شع ار قاله في الاستعطاف في سجنه. أما من اشتهرت قصيدته في السجن هو الشاعر أبو فراس
فتــــــــــــــــــــــــأرن أحيانــــــــــــــــــا كمــــــــــــــــــــــــا يــــــــــــــــــأرن المهــــــــــــــــــر
ٌٌوالحزن: ُُومــــــــــــــــــــــــا كــــــــــــان للأحــــــــــــزان لــــــــــــــــــولاك مســــــــــــــــــلك
إلى القلــــــــب ِِ، لكن الهــــــــــــــــــوى للبِِلــــــــــــــــــى جســــــــــــر والفخر فيها كان في مواطن متعددة، لكن أبلغها وما استمرت وعاشت في الأذهان طويلا هي هذه الأبيات الثلاثة الأخيرة: ُُّــــــــــــــــــــــــــــــــــــط بيننــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ُُونحــــــــــــن أ ُُنــــــــــــــــــــــــــــــاس لا توس لنــــــا الصــــــــــــــــــــــــــــــدر دون العالميــــــــــــن أو القبــــــــــــــــــر
99
98
2024 أكتوبر 300 / العدد
لمحة عن أدب السجون في التراث العربي
Made with FlippingBook. PDF to flipbook with ease