إضاءة
تجاوز حدود الثقافة الراكدة
الراكدة مسوغ بقائها الأبدي. كل هذا سيؤدي إلى تراجع الفنون والثقافة الإبداعية، وقلة الإنتاج الثقافي الجديد، وسيادة المفاهيم الشعبوية. لمحاربة الركود الثقافي، وسيادة ثقافة المؤامرة التي أصبحت ترياقا يشبعون به بطون المجتمع كلما حلت كارثة نتيجة لهذا الركود الثقافي، يجب تعزيز التفاعل مع ثقافات أخرى، وتشجيع الابتكار والإبداع الثقافي، وتعزيز التعليم والوعي الثقافي، والترويج للحوار والمناقشة حول قضايا الثقافة والتجديد، ودعم حرية التعبير الفكري والثقافي والفني. إن تكوين هذا الوعي الثقافي بأهمية التثاقف تبدأ رحلته مع العقول الغضة في مراحل تكوين الوعي الأولى، حين نصنع مناهج تعليمية تتخلي عن الاستلاب العقلي الذي يتعرض له الأطفال في مراحل تعليمهم الأولى، ودعمهم بمناهج ديناميكية تفاعلية تستجيب لطاقات السؤال المتدفقة لدى الأطفال في مراحلهم العمرية الأولى. من هذه الخطوة تبدأ الرحلة من أجل حماية المجتمع من الركود الثقافي، ومن ثم سيادة حالة من الاستلاب الحضاري، وتفقد كل المكتسبات الحضارية المادية قيمتها، وتصبح مجرد هيكل خارجي مبهر وتفاصيل داخلية خربة لا تسكنها إلا غربان التطرف
التي تريد تحريك الركود الثقافي المسيطر عليه. وحين نتأمل العالم من حولنا للبحث عن تجربة كسر حالة الركود الثقافي، سنجد حالة التخلص من سياسة الأبارتيد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وكسر المجتمع تلك الثقافة الراكدة لسنوات طويلة التي أسست للفصل العنصري، واستطاع نيلسون مانديلا، الرمز، أن يكسر قيود الثقافة الراكدة، وتحولت جنوب أفريقيا خلال سنوات من التثاقف إلى دولة مؤثرة ومجتمع متماسك، وإلى رائد اقتصادي وثقافي وسياسي. ينجم الركود الثقافي عن أسباب عدة، ومنها: • التمسك بالتقاليد والعادات دون تجديدها أوتطويرها بمرونة • عزل المجتمع وعدم التفاعل مع ثقافات أخرى أو عدم الاستفادة من التجارب الثقافية الخارجية. • وجود قوانين أو تقاليد اجتماعية تقي ّّد الحرية الثقافية وتمنع التطور والتجديد. • عدم توفر التعليم والوعي حول أهمية التنوع الثقافي. • سيادة الشعور بالاستعلاء الديني، هو القاعدة الواسعة التي عليها أقيمت كل الحوائط السابقة التي تحمي عقل المجتمع وتحافظ على حالة الركود الثقافية التي يعيشها، وتمنح الثقافة
تحدّّث إدوارد برنيت تايلور، أحد مؤسسي علم الأنثروبولوجيا، عن الثقافة فعرّّفها بأنها ذلك الكل المعقد الذي يشمل المعرفة، والاعتقاد، والفن، والأخلاق، والقانون، والعرف، وأي قدرات وعادات أخرى يكتسبها الإنسان كعضو في المجتمع. لذلك، تظل الثقافة هي الإطار الجامع للمفاهيم التي تنعكس على سلوكيات المجتمع وتحكم العلاقات التي تربط أفراد المجتمع ببعضهم. وحين نتحدث عن الثقافة، فإننا نقف أمام التراكم الذي تتوارثه الأجيال المتعاقبة، ونجد أنفسنا أمام حائط يقف حائلا بين المجتمع والتغي ّّر والتغيير، وهو «الركود الثقافي». بداية، قد يلتبس عند بعضهم أن مصطلحي «الركود الثقافي» و«الثقافة الراكدة» مرادفان لدلالة واحدة. ولكن، في حقيقة الأمر، هما مختلفان في الدلالة. «الثقافة الراكدة» هي مصطلح يستخدم لوصف العادات والتقاليد والقيم الثقافية التي تبقى ثابتة وغالبا ما تمتد لأجيال عدة في مجتمع معين. تعبّّر هذه الثقافة عن الهوية الثقافية لهذا المجتمع وتشمل عادات الزواج، واللباس التقليدي، والطقوس الدينية، والقوانين الاجتماعية، والعادات اليومية. واستنتاجا لما سبق الثقافة الراكدة تمثل جزءا مهما من تراث المجتمع وتسهم في تشكيل هويته وتماسكه الاجتماعي. قد يبدو أمامنا أن المفهوم سلبي حيث إن التركيبة اللغوية للمفهوم توحي بسلبيته، ولكن في حقيقة الأمر، هو مصطلح يصف الثقافة المتوارثة في المجتمع والراسخة. ولكن، حين نتحدث عن «الركود الثقافي»، فنحن ننتقل إلى ضفة أخرى. «الركود الثقافي» هو مصطلح يستخدم لوصف حالة تجمد أو توقف في تطور الثقافة في مجتمع معين. يمكن أن يحدث الركود الثقافي عندما تبقى العادات والتقاليد والقيم الثقافية ثابتة على مر الزمن دون تغيير أو تطوير. يمكن أن يكون هذا الأمر ناتجا عن عوامل عديدة مثل قلة التفاعل مع ثقافات أخرى، أو عدم وجود تحديث أو تجديد في الفكر والممارسات الثقافية. ويمكن أن يؤدي «الركود الثقافي» إلى فقدان الروح الإبداعية والتنوع الثقافي في المجتمع، ويمكن أن يكون تحديا
شريف مصطفى محمد كاتب وقاص مصري
للتطور والتقدم في مجالات مختلفة. عند هذه الزاوية، تبدأ الأزمة التي لا تغيب عن حالتنا العربية، فنحن نعاني حالة «ركود ثقافي» تواجهه محاولات إلقاء الحجارة من أجل إعادة الحياة لها والتخلص من الطفيليات والطحالب الثقافية التي تراكمت عليها نتيجة حالة الركود. وتشتبك مع حالة الركود الثقافي أزمة مصاحبة وهي تحوّّل «الثقافة الراكدة» إلى ثقافة مقدسة، حيث صببنا عليها مصهور الدين ليكون درعا واقيا لها من حالات التثاقف التي تلقي بحجارتها في بركتها الراكدة، محاولة أن تعيد الحركة ودوامات المعرفة لها من أجل أن تسمح لشمس التطور أن تتخلص من غبار الجمود والتماهي مع تغيرات العصر. لقد واجهت مجتمعاتنا مصاعب جمة، وما زالت تواجهها من الركود الثقافي، والتطرف هو الابن البار لهذه الحالة. حين عاشت ألمانيا حالة من الركود الثقافي تحت حكم النازية، فقد شهدت ألمانيا تقييدا شديدا للتعبير الثقافي والفني، حيث حُُظِِرََت الأعمال الفنية والكتب التي لا تتوافق مع الأيديولوجية النازية، وهذا القمع الثقافي والانغلاق على نعرة ثقافية معينة ساعد على تعزيز الأفكار المتطرفة ونشر الدعاية النازية. وهذا ما عشناه، وما زلنا حتى الآن، مع تصاعد تيارات الإسلام السياسي التي جاءت لتكون إفرااز لحالة ركود ثقافي عاشت فيها المنطقة سنوات طويلة. وفي النهاية، تحولت تلك الأفكار إلى رصاص موجه لصدر المجتمع عبر عقول انغلقت على موروثها الثقافي المحتمي خلف درع الدين، والأسوأ حين يتحول أفراد المجتمع ذاته إلى أداة قمع ثقافية ضد الحجارة
101 2024 يناير 291 / العدد
100 تجاوز حدود الثقافة الراكدة
Made with FlippingBook - PDF hosting