تراث النغم
بين صوت الألم وصدى الجمال تلج أغاني الشعوب بوابة الوجدان
قد تزوجت. وإثرها كتب ناظم رائعته يا حريمة»، ثم أعطاها للملحن الراحل محمد جواد أموري وبقيت عنده قرابة العام ونيف دون أن يمسها، وبعد رحيل زوجته وهي في ريعان شبابها وجد في كلماتها العزاء فلحّّنها. ثم أسند الأموري الأغنية إلى المطرب حسين نعمة الذي كان يمرهوالآخربأزمة عاطفية مع زوجته السابقة، ليكمل الثلاثة طرح الأغنية التي تََجمّّعت من نزيف ثلاثة روافد، وتُُشكّّل بح ار متلاطما من الآهات. وهناك إلى الأندلس والقصيدة المشهورة «الظل الأسود» التي كتبتها ) بلغتها 1885 - 1837 الشاعرة الإسبانية روزاليا دي كاسترو ( الجاليكية حين فقدت ابنها، وتعتبر من روائع الرثائيات في العالم لاسيما في مطلعها وهي تقول «عندما أفكر برحيلك تتراءى لي كخيال أسود يظللني / وفي طرف الوسادة وظلها تعود رؤياك وكأنك تهزأ بي / ولكن حين أدرك أنك رحلت لا محالة / تتجلى لي حتى في الشمس / أنت النجمة التي تضيئ وأنت الريح التي تهب / إن غنوّّا كأنك أنت الذي يغني / وإن بكوا كأنك من يبكي / أنت هدير النهر / أنت الفجر وكل الليل / في كل شيء تتراءى لي/ أنت كل شيء وفي داخلي تعيش / يا شبحا حيّّا لا يفارقني ظلّّه»، وبعد مئة عام يفقد المغني ويشدو الأغنية بصوت 1994 الإيطالي آل بانو ابنته يالينا عام الأب المفجوع عن اختفاء ابنته. وفي الولايات المتحدة كتب ) أغنيته «وماذا 1973 - 1936 المغني والملحن جيمي رادكليف ( أملك الآن»، بعد رحيل حبيبته عنه إذ كان يعاني مشكلات في الوزن ومشكلات صحية جمة تقول كلمات الأغنية: ما الذي بقي لي الآن / من دون حبك / كوة من الذكريات القديمة فقط
ينبض بأفئدة تلك الأيدي الماهرة، حرفيي القلب ا � عرش تمثل أغنية «الليلة يا سمرا» إحدى أنجح تلك التجارب وأعمقها، 1962 إذ بدأت قصة الأغنية من داخل سجن «الواحات» عام في مصر، ومن بينهم كان الشاعر فؤاد حد ّّاد، والملحن أحمد منيب والفنان المطرب محمد حمّّام والأديب زكي مراد. وكرد فعل لا يخوض غمارها إلا المبدعون، اجتمعت إرادة الفن لتعيش إرادة الحياة، فاحتفلوا بعيد ميلاد الأديب زكي مراد الخامس والثلاثين، حيث قام الشاعرفؤاد حد ّّاد بكتابة قصيدة «الليلة يا سمرا»، ولحنها الملحن أحمد منيب ورسم رسوماتها التعبيرية وغناها صاحب الصوت الشجي الفنان محمد حمّّام، لتكون أغلى هدية تُُهدى لمناضل، وسرب حمام أبيض لا توقفه إشارات الليالي السوداء، غنّّت السمراء بلونها الداكن تحت ليل حالك، فضاعت الظلال والقيود ووصل صداها جليا إلى الملايين، فكانت حرية نسج لوحتها ثلاثة عشاق للوطن. ومن بلد الكنانة إلى بلاد الرافدين، من نزيف الوطن إلى نزيف القلب نصدف تجربة تماثلها، الأغنية الكاملة، إذ تمثل أغنية يا حريمة» إحدى روائع الأغاني العراقية والعربية، تبدأ قصتها مع الشاعرناظم السماوي الذي كان في السبعينيات من القرن الماضي سجينا سياسيا في سجن نقرة السلمان بالسماوة، وكان معجبا بفتاة في العشرين تواظب على زيارته، ليتخلل العشق فؤاده وهو قابع وراء القضبان. وبعد فتره من الزمن انقطعت الفتاة عن زيارته، وعند سؤاله عنها قيل له إنها
نوزاد جعدان الأغاني التي لا نملها تبقى جزءا لا ينفصل من ذاكرتنا، وكأننا ننصت لها للمرة الأولى، لنكتشف ا � نسمعها مرار الجديد فيها ونغرق معها في عالم مغاير للواقع، مثل أي نهر جار يحمل ذاكرة الغابات البعيدة، تلك هي الأغنية الكاملة كالقصيدة الكاملة، بناء متماسك لا يتعرض للتآكل، ولا قطع تبديل لها. شريط الجينات الوجداني للإنسان، نؤمن طوار أننا سئمنا منها نتيجة فواصل الحياة، ولكن حين نََصدف صداها في أحد الأزقة أو من إحدى الشرفات، تعود بنا إلى تلك اللحظة الأولى، يوم أوقدت الأغنية شمعة في حياتنا الأغاني الكاملة التي تبقى في الوجدان ولا تنصهر مع عوامل وترسبات الزمن والذاكرة، تمخّّضت عن تجربة أليمة عاشها شاعرها وملحنها ومطربها، وخرجت كدفقة شعورية أولى مثل المواعيد التي تمر بأقدامها على حدائقنا حافية كعفوية المطر، تبدأ من الحطّّاب الذي عرف أي شجرة يختار، بالنجار الذي هندسها وعرف أي ا � فتفنن بتقطيعها، مرور مادة حيّّة بين يديه فترفّّق بأوصالها، وانتهاء بالمنجّّد الذي تفنن بصنع الكرسي فغطاه بغطاء خلاب وجمع الأطراف كلها في جسد واحد، ليحمل الكرسي آلام الحطاب ومسامير النجار ووخزة إبرة المنجّّد، لتتوج رغم الألم، وتصبح
/ أيام وحدة شقية / قلب شاك باستمرار / هذا كل ما أملكه / منذ رحيلك/ وحيدا في غرفة باردة / محاطا بأربعة جدران زرق/ تغنيها روحي الحائمة / روحي المحكومة بالفشل لأنني كل هذا / كوكب فارغ / يد مرتجفة وقلب غائم لا يعرف الفرح / ِِمثل شخص أحمق لم يناسب رحلته الأخيرة / هذا كل ما لدي ./ دون حبك في الهند، عبرت الشاعرة كوثرمنيرعن لقطة سينمائية ستبقى خالدة في قاموس السينما الهندية في مسلسلها السينمائي اليوبيل عبر تصوير الحالة الوجدانية لبطل المسلسل وهو في حالة انحدار بعد أن كان نجما لامعا تقول الأغنية: جذف أيها البح ّّار جذف / يا ملك المحيطات / أنت نجمي الهادي / وأنا الشاطئ / في كتاب الحياة/ لو كنت لي وكنت لك / سيغدو العالم ملكا لي ولك / لكن/ نزلت بقاربي إلى بحر مفتوح / لا نهاية له / مع ذلك صنعت قدري تحت سماء واسعة / تغيرت الريح.. تبدلت السماء / لكن عشرتنا لم تتبدل أبدا / جذف
107
106
2024 يناير 291 / العدد
بين صوت الألم وصدى الجمال تلج أغاني الشعوب بوابة الوجدان
Made with FlippingBook - PDF hosting