ج ُُلََساء التراث
«هنري موندرل» قراءة في كتاب «رحلة من حلب إلى القدس».. وصف تاريخي لسوريا ولبنان وفلسطين
الرحلة حتى نهايتها، وفيه نجد وصفا للأمكنة منذ البداية، حيث يتحدث الكاتب عن ذلك قائلاًً: «.. وكانت إقامتنا في ليلتنا الأولى هذه في خان العسل، وهو مكان لإقامة عابرة .) 23 يبعد حوالي ساعة ونصف الساعة غرب حلب» (ص ومن الصفحات الأولى للكتاب يبدأ الكاتب هنري موندرل في وصف تقييمي لكل فعل يقوم به الأتراك، كما يأتي على ذكر العرب، وإن بدرجة أقل، ولا تخلو أحكامه من موقف يحمل - ظاه ار أو باطنا - منطلقات الصراع الديني، والتدافع البشري، والتصادم الحضاري، ولذلك يصحبه دائما بالمقارنة بينه وبين ما يقع في أوروبا، خاصة بريطانيا. للتدليل عن ذلك نورد هنا بعض النماذج التي تحدّّث فيها الكاتب عن الأتراك والعرب، وتتخلل معظم صفحات الكتاب، وهي أكثر ظهو ار في المواقف التي تتطلب المقارنة من زاوية دينية أو مدنية، ومنها حديثه عن ضرائب ينبغي للمسافرين دفعها عند ممرات على الطريق، حيث يداوم موظفون لاستلامها، وعنها يقول: «فرضها أولا المسيحيون لتقدّّم تعويضا للبلاد لصيانة الطرقات وإبقائها بحالة جيدة، وتنظيفها من الغزاة واللصوص، ولا يزال الأتراك رابحين من تطبيق ذلك، ويتظاهرون بنفس الأسباب لحينها، ولكن تحت هذا الادعاء يغتنمون الفرصة ليفرضوا على المسافرين، وخاصة من الأوروبيين، مبالغ جائرة وغيرمعقولة؛ وبهذا فعوضا من أن يكونوا حماة يثبتون بأنهم أنفسهم أكبر .) 26 المحتالين واللصوص»(ص الهديََّة.. والمكانة ويكشف الكتاب عن معاناة حقيقية واجهها هو وأصحابه على طول رحلتهم، تبدّّت في التعامل، الذي كان مزعجا له، وظهر
خالد عمر بن ققه تمثل قراءة أدب الرحلات، في جانبها التنظيري، مجالسة حاملة لزمن الفعل البشري معها باعتباره حركة في الحياة، وحََالََّة به في فضاء المعاصرة، ومنتهية به إلى معرفة قد تؤسس عليها صيغ جديدة، حاملة لميراث تصنع منه مشروعية لطرحها في الوقت الرّّاهن، خاصة حين تتعلق بمعرفة الآخرفي وجوده المعرفي معنا سواء كان ذلك ضمن مشاركة في التنوع الثقافي المقصود والواعي أو كان نوعا من المعرفة العابرة، أو التعارف العميق والهادف. هناك إذن، في حال القبول بالرأي السابق عن أدب الرحلات، ما يجعلنا ننجذب نحوه، ليس لأجل تحقيق متعة المعرفة فقط، التي هي أساس القراءة بما تحمله من سمو، وتعلق علوي بالرمز والكتابة بشكل عام، وإنما للوعي بعملية «التدافع» المتواصلة بين الأمم والشعوب والثقافات، في فترات: السلم والحرب، الرخاء والشدة، الأمان والخوف، الصحة والمرض، الإطعام والجوع.. إلخ. والبحث في عملية «التدافع» تشمل المجالات كلها، وقد يكون من أهمها: التدافع الإيماني، والتدافع المدني أو الحضاري، وهذان التدافعان كانا ولا يزالان، وسيبقيان، هما أساس العمليات الاجتماعية الأخرى كلها من مثل: التعاون، والتنافس، والصراع، وإن كانا في كثير من مراحل التاريخ البشري يعيشان الحالة الأخيرة، أي الصراع، لدرجة جعلت من تاريخنا المشترك حروبا دائمة، وإن تعددت أساليبها وتنوعت.
أو انجذابا للمعتقد، أو تجوالا في الأرض العربية وسي ار في مناكبها، وتحديدا عن مجالسة من خلال الترجمة لأدب رحلات أحد الأوروبيين إلى مشرقنا العربي، وهو ما سنقدمه قراءة هنا الأكاديمي الكاهن الكتاب الذي بين أيدينا للأكاديمي الكاهن البريطاني «هنري حمل عنوان «رحلة من حلب ، Henry Maundrell» (1) موندرل م»، ترجمه إلى 1697 إلى القدس.. في عيد الصفح من عام اللغة العربية «صفوح الذهبي» وحرره وعلق عليه «الدكتور ، التي تعطي ) 3 ( ، وهو من كتب أدب الرحلات ) 2 ( أحمد إيبش» القارئ انطباعا أوليا على أنه سرد لتجربة حياتية تخص مؤلفها، لكنه حين يتعمق في قراءته، تجده يستحضرجزءا من التاريخ الإنساني المشترك بين المسيحيين والمسلمين إبان الحكم التركي للمشرق العربي. كما يكشف الكتاب عن أبعاد أخرى متعلقة بالإنسان والزمان، إضافة إلى تفسيره للأمكنة التي حملت طابع القداسة أو تلك التي ليست لها صلة بالقداسة لا على مستوى الحقيقة ولا في التصور من منظور ديني. تقوم الفكرة الأساسية للكتاب على رواية جانب من التاريخ م، 1697 الشخصي لرحلة قام بها المؤلف في مطلع عام وذلك حين قرر هنري موندرل ومجموعة من رفاقه، عددهم شخصاًً، القيام برحلة حج من حلب؛ حيث يعملون في 15 فبراير انطلقوا باتجاه 26 مصنع إنجليزي، إلى القدس، وفي اللاذقية على الساحل السوري، وتابعوا طريقهم على طول
م، كما يرى الدكتور أحمد إيبش، «كان 1697 ما ميز رحلة عام صحيفة ترحال كتبها موندرل مملوءة بملاحظات مفصلة عن الأماكن التي زارها وأصحابه، وهي تعد واحدة من أولى الروايات الدقيقة عن العصور القديمة لسوريا ولبنان وفلسطين تكتب باللغة الإنجليزية»، وحين نتابع تفاصيل الرحلة نجد أن ٍ بعيد، رغم ما وقع فيها الكاتب موندرل �ٍّ إيبش محقا إلى حد من أخطاء إما بسبب جهله خاصة بعض الأحداث والمسائل المتعلقة بالإسلام، أو لتحامله أحيانا على سكان المنطقة، مثل الأتراك، وبعض البدو من العرب. من ناحية أخرى، فإن هذا الكتاب يمثل نظرة الآخر الغربي إلى المنطقة أيام السلم، ذلك أن المؤلف ومن معه كانوا في رحلة حج إلى القدس، وهي بلا شك تحمل موروثات وأحكاما مسبقة على المسلمين، كما تطرح تصورات كاتب للأمكنة من سوريا إلى فلسطين من منظور مسيحي، كما سبق الذكر، لكن تلك التصورات قُُدمت بلغة شائقة وممتعة، ومتمكنة من وصف الأحداث، وإظهار التفاعل مع البشر، والآثار التاريخية، وتضاريس الجغرافيا. خان العسل والكتاب ي ُُفصح من البداية عن نفسه بشكل موجز من خلال طرحه لعدد من الصورمنها على سبيل المثال: «خريطة قديمة لفلسطين من عصر المؤلف، ونقيشة نادرة تمثل مدينة م، ونقيشة نادرة تمثل مدينة بعلبك عام 1703 حلب عام م، وخريطة أوروبية تمثل السلطنة العثمانية تعود إلى 1703 م». الملاحظ، أن ذلك الإفصاح الظاهر من خلال 1643 عام الخرائط له ما يدعمه على مستوى النص المكتوب من أول
ساحل لبنان من شماله إلى جنوبه حتى بلغوا عكا في ساحل فلسطين، ومنها اتجهوا برّّا إلى القدس الشريف، وزاروا وادي الأردن والبحر الميت وبيت لحم، وعادوا إلى القدس ليشقوا طريق الرجوع عبر دمشق وبعلبك إلى طرابلس م. 1697 مايو 18 حتى وصلوا حلب في الوصف السابق للرحلة يشي بأنها رحلة عادية، وهي كذلك بالنسبة للعاملين في حلب، كانت ت ُُقام في التاريخ المذكورمن كل عام أيضا ًً، لكن
ولسنا هنا بصدد الحديث عن الحروب كما روتها كتب التراث، بما فيها تلك التي جاءت في أدب الرحلات والسير، وإن كنا نجد صعوبة في التخلص من تأثيرها عبر المراحل كلها، حيث هي سجينة «الفعل ورد الفعل»، وإنما سنركز في عرضنا هنا على البُُعد الإنساني في حركة الآخر على أرضنا سلمياًً، سعيا للمعرفة،
113
112
2024 يناير 291 / العدد
قراءة في كتاب «هنري موندرل» «رحلة من حلب إلى القدس».. وصف تاريخي لسوريا ولبنان وفلسطين
Made with FlippingBook - PDF hosting