torath 291 - Jan -2024

حكايات التراث

ُ الي ََق ِِين �ُ وََعِِنْْد جُُهََيْْنََة الْْخََبَر

) 1 (ِِ عِِنْْـــــــــــــــــــــــــــد جُُهيْْنََة يََقِِــــــــــــــــــين الْْخبََـــــــــــــــــــــــــــر ومنه ما ورد في كتاب (معالم الكتابة ومغانم الإِِصابة) أََيضاًً، ُُمن قول أحد ِِهم: ف ََد ُُون ََـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــك م ِِن ج ُُه ََي ْْن ََــــــــــــــــــــــــــــــــــــة م ََا ح ََك ََت ْْـــــــــــــــــــــــــــه ) 1 (ُ وعنْْد جُُهََيْْنََـــــــــــــــــــــــــــة الْْخََبََـــــــــــــــــــــــــــر اليََقيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن وقد صار لهذا المثل مِِن الشهرة أََنََّه أََخذ مكانة فنيََّة كبيرة لدى الأ ُُدباء؛ لا سي ََّما وهو ي ُُمثل عبارة جاهزة تحمل كثي ار من ِ على سبيل التناص �ِّ الدلالات، ويمكن الاستعانة به داخل النص والاستدعاء، كما يُُمكن استخدامه في العنوان باعتباره نص ّّا ِ�ِّ ِ - أََي �ِّ ِها يُُمثل مفتاحا للنص �ِّ مُُوازيا أََيضاًً، وهو في الأََحوال كل ٍ - كما يُُعََد نقطة دلالية رامزة في الأََغ ْْلب. �ٍّ نص وعلى سبيل المثال، قد عََنْْوََن جرجي زيدان للفصل الثالث والثلاثين من رواية (فتاة غس ََّان) بهذا المثل (َوَعِِنْْد جُُهََيْْنََة ، وعلى الرََّغم من ضعف العلاقة بين الإِِشارة ) 1 ( الْْخََبََر اليََقِِينُُ) ِ؛ ذلك أََن هذا الفصل لم �ِّ في المثل، والمشار إِِليه في النص يحمل الدلالة القويََّة على المثل؛ يقول جرجي زيدان: «وباتوا تلك الليلة وحم ّّاد لم ينم إلا قليلا لِِما تراكم عليه من الهواجس، أََم ََّا سلمان فقضى ليلته يُُفكر في سبيل يوصله إلى المراد فنهض في الصباح التالي وفي نيََّته الشخوص إلى صرح الغدير لاعتقاده أن (الخبر اليقين عند هند)؛ فلبس ثياب الرهبان . ) 1 ( وركب جواده...» على الرغم من ضعف العلاقة بين الإِِشارة في المثل، والمشار ِرة في �ِّ إِِليه في النص؛ فإِِن الكاتب التقط أََبرز التراكيب المعب هذا الفصل، ولعل أبرز ما جاء فيه قوله: (الخبر اليقين عند هند). ِها عن المصداقية والثقة �ِّ ِر في الأََحوال كُُل �ِّ إِِن هذا المثل يُُعب في المعلومة أو الخبر، وقد يُُشبه التعبير القائل: «عند جهلي يقيني» الذي يُُشير في الأََغلب إلى التأكيد على الشيء بناء على المعرفة والإلمام الدقيق بالأمور، كما أََن فيه دعوة إِِلى ترك الأُُمور إِِلى العالمين بها؛ فعلى سبيل المثال إِِذا قلنا: (إِِن الفريق اللُُّغوي قد قام بالبحث الدقيق، وقد توصل إِِلى ص ِِح ََّة اس ْْتعمال عبارة كذا... )؛ فعند ذلك نُُطلق بصدق ويقين: (وََع ِِنْْد ج ُُهََيْْنََة الْْخ ََبََر اليََقِِين ُُ)، وعلى شاكلة هذا المثال يُُمكن التعقيب بهذا المثل. ولعل استخدام هذا المثل قد يكون مرتبطا بثقافة أو تقاليد معينة، وقد لا يكون مألوفا في جميع اللُُّغات والثقافات، وهو يُُضرب في معرفة الشيء حقيقةًً، كما يُُشير إلى أن هناك

له وزير اسمه (نجدة) إذا غاب الملك خلفه على حظاياه فبعث ج ُُهينة يوما من غير أن يشعر به واختبأ حتى جلس الوزير في مجلس الملك وغلبه السكر وغن ََّى بهذا البيت: ََـــــــــــــــــــــــــــاب الْْمََلِِيـــــــــك خََلََوْْت لََيْْلِِـــــــــــــي إِِذََا غ ِِــــــــــــــــــع ع ِِنْْد ََه لََيْْلِِـــــــــــــــــــــــــــي الط ََّوِِيــــــــــــــــــل أُُض ََاج فقام (ُجُهََيْْنََةُُ) فقتل الوزير ودفن رََأْْسََه تحت وسادة الملك، فلم ََّا حضر الملك ُُ؛ َفَق ََد الوزير ف ََسأل عنه فلم يقف له على ٍٍأثر ِِخبر ٍٍ، فسكر (ج ُُه ََي ْْنة ُُ) ليلة عنده؛ فقال ََ: ُُت ُُس ََائ ِِــــــــــــــــــل ع ََن (ن ُُج ََي ْْـــــــــــــــــــــــــــد ََة ََ) ك ُُل ر ََك ْْب وََعْْنْْد جُُهيْْنََــــــــــــــــــــــــــــــــــــة الخبََر اليقيـــــــــــــــــــــــــــــن . ) 1 ( فسأله الملك فأوقفه على الخبر؛ فقرََّبََه وأََح ْْسن ف ِِي ع ََط ََايََاه» ِ مضربٍٍ �ِّ وقد أََصبح هذا المثل مشهوار في زمان مورده، وفي كُُل فيما أََتى بعد من أََزمان ٍٍ، حتى يومنا هذا؛ حيث ورد في سياقات عديدة من الشعر قديما وحديثاًً، ومنه على سبيل المثال ما ذكره إِِبراهيم الطرابلسي، صاحب كتاب (فرائد الدلائل في مجمع الأََمثال): ُُّــــــــــــــــــــــــــــــــــــر ت ََف ََك ا َعَــــــــــــــــــن فََض ْْلِِــــــــــــــــــه س ََلْْنِِي بِِلَا

محمد محمد عيسى

جاء عن العرب، قولُُهُُم: (وََعِِنْْد ج ُُهََيْْنََة الْْخ ََبََر اليََقِِين ُُ)؛ وفيه ِي الم ََص ََاد ِِرالص ََّح ِِيحة، ك ََما يُُع ََد د ََع ْْوة لاختصار �ِّ إِِشارة إِِلى تحر الوقت في البحث عن الحقيقةِِ. وللعرب باب واسع فيما يُُضرب أََو يُُقال - من المثل - في المعرفة ِِ، ومعرفة الأخبار وصح ََّتِِها، منها على سبيل المثال: (أََنََا غ ََرِِيرُُك م ِِن ه ََذ ََا الأََم ْْر ِِ)، وقولهم: (كََفََى قََوما بِِص ََاحِِبِِهِِم خََبِِيارًً)، أي كُُل قوم أََعْْلم ّ أُُناس فِِي ج ََم ََلِِهم �ِّ بِِصاح ِِبِِهم مِِن غيرِِهم، ومثله قولهم: (لِِكُُل خ ُُبْْر)، وََيُُرْْوََى ج ُُم ََيْْلهم، ع ََلََى الَّتّْصْغ ِِير ِِ، يُُرِِيد ص ََاح ِِبََهُُم ْْ؛قََال ّ قََوْْم بِِصََاحِِبِِهِِمْْ... �ِّ ابْْن الأََثير: هُُو مََثََل يُُض ْْرب فِِي مََعْْرِِفََة كُُل ّ أُُناس ف ِِي بََع ِِيرهم خ ُُبْْر)، ف ََاس ْْتََع ََار الْْبََع ِِير والج ََم ََل �ِّ وََيُُرْْوََى: (لِِك ُُل ٍ أََنََا ح ََرََش ْْتُُه!) يقول: �ٍّ . ومنه أََيْْضاًً: (أََتُُع ْْلِِم ُُنِِي بِِض ََب ) 1 ( ل ِِلص َّّاح ِِب ِِ» (أ ََتخبرني بأمر أنا وليته!)، ومن أمثالهم في المعرفة ِِ، والعلم ِِ، ، يُُقال ذلك للعالم ) 2 ( والإِِحاطة بالشيء قولهم: (أََنََا ابْْن بََج ْْد ََتِِها) ، وغيرذلك كثير مِِم ََّا يُُض ْْرب في ) 3 ( ِز له �ِّ بالشيء المُُتقِِن المُُمي العلم واليقين بالأُُمورِِ. وعلى الرََّغم من كثرة ما ورد عن العرب من أََقاويل وأََمثال في معنى العلم والخبرة، وََمََن إِِليه يُُسند القول الصحيح، والخبر الأََكيد، ومعرفة الأََثر؛ فإِِن قولََهُُم: (وََع ِِنْْد ج ُُهََيْْنََة الْْخ ََبََر اليََقيِِن ُُ) لم يدع لغيره من الأََمثال مِِن شهرة، بل لعله اختصرها، أو كفاها الذيوع. وقص ََّة هذا المثل كما حكاها - أبوعبيد في كتابه (الأمثال) - أََن بني ج ُُهينة حي من قضاعة من القحطانية، «وكان من حديثه أن ح ُُصين بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن كلاب خرج ومعه رجل من بني ج ُُهينة يقال له الأخنس فنزلا منزلاًً؛ فقام الجهني إلى الكلابي فقتله وأخذ ماله، وكانت صخرة بنت عمرو بن

تأكيدا قويا أو يقينا في المعرفة أو الفهم الخاص بشيء ما، وأن المعلومة أو الشيء المعروف ي ُُعتبر صحيحا وثابتا بشكل لا يدع مجالا للشك أو الريبة. كما أ ََن مجيئه في السياق ِِ؛ يكون للتأكيد على قوة الإيمان أو اليقين بصح ََّة المعرفة أو الحقيقة ومع مرور الوقت اتََّسعت دلالة هذا المثل؛ حتى صار ذكرُُه رم از للتعبير عن كثير من المفقودات، مثل الإِِنسانية، والحرية، وكذا الانتصار، وقد استدعى هذا المثل الشاعر المصري محمد محمد الشهاوي، ضمن قصيدته (تنويعات على وتر الفجيعة)؛ ليرمز إلى المرأة المصرية، وهي تبحث عن أخيها أو م، أو هو 1967 زوجها أو ابنها الذي ذهب ولم يعد في حرب عام

ْْمن البحث عن الحقيقة: ْْعلى كل درب غراب وبومة ووشم لدار قديمة وسائلة ٌٌ: أين زوجي؟ وسائلة ٌٌ: أين أهلي؟ وسائلة ٌٌ:

ٍٍمعاوية تبكيه في المواسم فقال الأخنس: ََـــــــــــــــــــــــــــن حُُصََيـــــــــــــــــــــــــــن كُُل رََكْْــــــــــــــب ََــــــــــــــــــــــــــــــــــــائِِل ع ُُُتُس

وََعِِنْْـــــــــــــــــــــــــــد جُُهيْْنََــــــــــــــــــــة الخبََـــــــــــــــــــــــــــر اليقيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن قال الحمداني: ويُُقال إِِن (ج ُُهََيْْنََةََ) كان يخدم ملكا يمانيّّاًً، وكان

ُُهل لأولادنا من رجوع ْْ؟

117

116

2024 يناير 291 / العدد

ُُ

وََعِِنْْد جُُهََيْْنََة الْْخََبََر اليََقِِين

Made with FlippingBook - PDF hosting