torath 291 - Jan -2024

دراسات إماراتية

الثبان في اللغة ما تثنيه من طرف الثوب لتحمل عليه الأشياء. يستخدم المثل عندما يُُرد الإحسان بالإساءة وهنا تظهر قيمة الوفاء وعدم الغدر وضرورة الحفاظ عليها. إن الصورة النمطية للمرأة في المجتمعات العربية تميل إلى التقليل من شأنها والتعامل مع مكوناتها الجمالية الحسية وإهمال المعنوي منها وذلك يرجع لأسباب أهمها أن صياغة المثل تأتي من الرجال في الغالب الأعم. لقد نالت المرأة الإماراتية حظها في الأمثال (الإيجابية) وتم وصفها بالذكاء والفطنة والحيلة «الحريم مدخلات البعير الينز» وجاءت بصيغة أخرى» الحريم دخل ابعير بشداده» والمثل يعني أن النساء يقدرن على إدخال الجمل في مخزن بابه صغير. تلعب الأمثال الشعبية دو ار مهما في تغييرحياة الفرد والمجتمع وذلك بتشكيل الوعي الإيجابي والتحفيز على الفضيلة وبذلك تسهم وبقدر وافر في بناء التماسك الاجتماعي والحفاظ على الهوية خاصة في ظل وجود مؤثرات كبرى من أهمها العولمة التي تسعى إلى تجريف المجتمعات ونزعها من صياغها ليتم تشكيلها على نسق أخلاقي جديد يطمس الهوية ولقد كانت للشيخ زايد - رحمه الله - رؤية استشرافية لهذا الأمر حيث قال: «إن لنا تقاليدنا وعاداتنا ومثلنا التي نحافظ عليها، إننا لا ننقل حياة شعوب أخرى إلى بلادنا، في المجتمع الغربي هناك أساليب للحياة لا تروق لنا، وبالتالي فإننا لا ننقلها إلى بلادنا، لكن هناك نواحي مثل التقدم الصناعي فإننا نستفيد منها» كاتب وباحث سوداني

الأشياء القيم؟ هنالك شبه اجماع على خيرية الصدق والأمانة والإخلاص ولكن هنالك فئات قليلة تعتقد خلاف ذلك ومن هنا نستطيع القول بأن لكل مجموعة من الناس قواعد ومعايير للتمييز بين الخير والشر وفقا لمنظومة القيم التي يتبعونها؛ ولأن الإنسان كائن أخلاقي يتحمل وبشكل كبير أمانة القيم ويقول سقراط: «أعرف نفسك بنفسك» ويقصد أن كل إنسان عليه إدراك الخير والسعي لتحقيق الفضيلة. وإذا رجعنا للأمثال الشعبية الإماراتية نجد منها ما يحث على الخير وفي سعي مستمر للوقوف ضد الشر ونأخذ على سبيل المثال «قوم تعاونوا ما ذلوا» «ما في عيد كرم ولا في حاضر مدح» «الناس بالناس والكل بالله» «لا تزيد الهرموز ملح» الهرموز في اللهجة الإماراتية جبل ملح أو قطعة الملح الكبيرة. ينهي المثل عن تصعيد الأمور وتحميلها فوق طاقتها فهي في الأصل معقدة. هنالك مجموعة من الأمثال الإماراتية تشجع على الحفاظ على منظومة القيم السائدة في المجتمع ومنها « الصدق ناقة سمينة، والكذب ناقة هزيلة» في هذا المثل يظهر تأثير البيئة والمثل يحض على الصدق. «الزين مب من زانت ثيابه الزين من زانت معانيه «ومضرب المثل يشيد بجمال الأخلاق.» الحنظلة ما تطول وعرجها في الثرى» المثل يشيرإلى بقاء الكلام السيء في الذاكرة. كما أن هناك مثل يدعو إلى الوسطية في التعامل فيقول «كثر الزر يرخي» الزر يعني الشد في الرباط ومقصد المثل أن شدة الحزم والتشدد تؤدي إلى نتائج عكسية. يقول المثل الاماراتي «تحطه في الثبان ويلدغك في اللسان»

مظاهر التفرد الثقافي وذلك بإحياء التراث والمحافظة عليه في ظل موجات التحديث التي طالت الحياة العامة فلم تتأثر سلبا الجوانب المتعلقة بالسلوك والتربية وهي ما يطلق عليه في الإمارات (السنع). إن للأمثال الشعبية قدرة كبيرة على التأثير على القيم وتشييد صروح معرفية متماسكة وهنا لابد من الإشارة إلى أن بعض الأمثال لا تحمل قيما إيجابية بل هي انعكاس لتجارب ومفاهيم يمكن وصفها بالسالبة ومثل هذه الأمثال ينبغي استبعادها من منظومة القيم لأنها لا تمثل الحركة الإيجابية للمجتمع بل تُُعبّّر عن تجارب خارجة عن الصياغ المتعارف عليه. يقول المثل الإماراتي «إذا ما طاعك الزمن طيعه، حتى تصير ربيعه» ويستخدم المثل كدعوة للتكيف مع الواقع والعمل على تجاوز الأزمات. وهنالك مثل آخر قريب المعنى من الأول وهو «إذا فاتك اللحم عليك بالمرق» ويستخدم المثل في ضرورة بلوغ الغايات بالتدرج فإذا لم تجد فرصة في المحاولة الأولى فلا تيأس وأقبل بالمتاح حتى تنال ما تريد. كما يقول المثل الإماراتي «إذا ياتك عويه من السفيه خلها» يعنى إذا أتتك مذمة من سفيه فلا تكترث وفي هذا تعزيز للثقة بالنفس لأنها نتاج لتراكم الخبرات الحياتية وكلما كبرت النفوس تجاوزت صغار الأمور. في سعي المجتمع نحو استخدام الحكمة والتعقل يأتي هذا المثل «جانك خياط بصير، عليك بالهدب القصير» جانك تعني كأنك، والهدب الخيط والمثل يعني أن الخياط الماهر يستخدم الخيط القصيروهو يخيط طرف الثوب حتى لا يعقد أثناء الخياطة. والمثل يضرب لاستخدام التّّبصر والتعقل في التعامل مع الأشياء واختيار الحلول التي تناسب كل مشكلة، كما يضرب المثل في الشخص الي يعمق علاقاته مع الناس قبل أن يعرف حقيقتهم. تتناول الأمثال آنفة الذكر أهمية التعقل والنظر إلى الأشياء برؤية نقدية وعدم الأخذ بظاهر الأمر مع ضرورة تكوين رأي خاص يعبرعن تجربتك الذاتية وهذا التناول يحفزالخصوصية والقدرة على استجلاء المواقف ومعرفة زيفها من صدقها وهذه الطريقة من أهم خصائص التفكير الفلسفي والتي يمكن أن نطلق عليها الفلسفة الشعبية. عرفت كل المجتمعات - تقريبا - القيم الأخلاقية واختلفوا أهي تنتمي إلى الأشياء ذاتها أم أن الانسان هو الذي يعطي

من خلال تناولنا للأمثال أعلاه لاحظنا قدرتها على عكس الثقافة الشعبية للمجتمع الإماراتي واستنطاق المفردات المحلية بالإضافة إلى القدرة التعبيرية المرتبطة بالواقع كما لاحظنا التكثيف اللغوي والتبسيط غير المخل. إذن المثل الشعبي يمثل عصارة التجربة الإنسانية وتمظهرها في التفكير الفلسفي للمجتمعات ومن خلال التمعن فيها نستطيع معرفة اتجاه القيم المجتمعية السائدة وارتباطها بالحق والخير والجمال. يقول ألكسندر كراب: «المثل يعبّّر في شكله الأساسي عن حقيقة مألوفة صيغت في أسلوب مختصرسهل، حت ّّى يتداوله جمهور واسع من النّّاس، فهو يعبّّر عن حقيقة عام ّّة أو صدق عام ّّ». فلنأخذ مثلا إماراتيا كنموذج تطبيقي «القطو العود ما يتربى» والمثل يشير إلى صعوبة تعديل سلوك الصبي بعد أن يكبر وهذا ما يحدث في حالة احضار قط كبير وتريد تدريبه فبحكم الخبرات والتجارب التي اعتاد عليها القط في صغره فلن يقبل العادات الجديدة أو الترويض وبتفكيك المثل، القطو يعني القط والعود هو الشيء الكبير. لقد اجتمعت في هذا المثل أربعة أشياء وهي إيجاز في اللفظ، إصابة في المعنى، حُُسن في التشبيه وجودة في الكتابة وهي خصائص المثل الشعبي. يشهد المجتمع الإماراتي تحولات كبيرة على المستويات الثقافية والاجتماعية والسياسية حيث بدأت معالم الدولة والذي تمثل في تشكيل دولة الإمارات 1971 تتشكل في العام العربية المتحدة ومن أكبر التحديات التي واجهت مؤسس الاتحاد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الحفاظ على الهوية فقال: «ترك لنا الأسلاف من أجدادنا الكثير من التراث الشعبي الذي يحق لنا أن نفخر به ونحافظ عليه ونطوره ليبقى ذخ ار لهذا الوطن وللأجيال القادم» ولذلك اهتم الشيخ زايد كثي ار بالمزج بين التراث والمعاصرة فلم يدخل إلى بوابة المستقبل من بوابة الماضي، كما أنه لم يُُحدث قطيعة معرفية بترك الماضي كليا فعمل على عصرنة المباني وتأصيل حياة المواطن فكانت دولة الامارات تلك البقعة المزدانة بالقيم الاجتماعية النبيلة ذات البعد التاريخي وفي ذات الوقت نجحت في وضع مسبار الأمل على مدار كوكب المريخ . عرّّف ديفيد هيلد بناء الهوية الوطنية باعتبارها محاولات لربط الناس مع بعضهم في حيز مكاني من أجل توسع الدولة واكسابها السطوة. لقد أدركت الإمارات أهمية الحفاظ على

121

120

2024 يناير 291 / العدد

مظاهر التفكير الفلسفي في الأمثال الشعبية الإماراتية

Made with FlippingBook - PDF hosting