torath 291 - Jan -2024

الرياح والأهوية في الإمارات.. بين التحد ّّي والإبداع

بين التحد ّّي والإبداع الرياح والأهوية في الإمارات..

الرياح في الموروث الإسلامي والعربي نظ ار إلى أن العلاقة بين البحر والرياح هي العلاقة الرئيسية التي تحكم حالة البحر وما ينشأ عنه من ظواهر، فقد وردت الرياح في القرآن الكريم، وذ ُُكرت بترتيبها وفقا لقوتها وأثرها على راكب البحر، فبدأ بالرياح الساكنة، والرياح الطيبة، وتشمل (الهواء الخفيف، ومجموعة النسيم)، ثم الرياح العاصفة، فالرياح القاصفة. والرياح الطيبة لراكب البحر هي طيبة لمن هو في البر أيضاًً، سيما من كان في المناطق الصحراوية. والريح سبب لإنزال المطر، وكما يقول ابن خالويه: «إذا كان النشء يعني السحابة، من قِِبل العين، يعني من قبل القِِبْْلة، ثم ألقََح ََتْْه الجنوب، وأدََرََّتْْه الشمال، وأنْْس ََبت به الص ََّبا، فذلك أجود ما يكون من المطر. وأمََّهات الرياح أربعٌٌ: الش ََّمال؛ وهي للر ََّوْْح والنسيم عند العرب، والجنوب؛ للأمطار والأنداء، والل ََّثق والغََمق؛ الندى، والص ََّبا، لإلقاح الأشجار. وإن المتحابََّين إذا اجتمعا، قيل: ريحهما جنوب، وإذا تفرََّقا، قيل: ريحهما ش ََمال، لأن الش ََّمال تُُفََرّّق الس ََّحاب، والجنوب تُُجمّّع. وللرياح عند العرب أسماء متعددة، ومن أكثر هذه الأسماء ذِِكارًً: الشََّمال، والجنوب، والأزْْيََب، والجِِرْْبياء، والصََّبا، والقبول، والد ََّبور، والحنََّانة، والنََّكْْباء، والمُُتََذ ََئّّبة (تهب من كل جانب)، والثائب (الشديدة تكون في أول المطر)، والعاصفة، ِرّّ، والصََّرصََر، والهارية (الشديدة البرد)، �ِّ والمُُعصِِر، والص والهََيْْف (الحارََّة)، وكذلك الح ََرور، والس ََّموم والس ََّهام (وجميعها ب (ريح معها مطر)، والنسيم (التي تأتي ا شديدة الحرارة)، والهََل َّا بنفس ضعيف)، والنََّفح (من البرد) أيضاًً، واللََّفْْح ( من الحرّّ)، والبََوارِِح (هي الش ََّمال تكون في الصيف حارََّة)، والقاصف (الشديدة). وثمة كنى للرياح، فيقال: أبو الريح، أبو ش ََم ْْلة، أم العذاب، أم قََش ْْع، أم مِِرْْزََم. ومن صفاتها الذاريات (التي تسفي التراب)، والروامس (التي تسفي التراب وترمس الآثار، أي تدفنها فلم تتبين)، والس ََّوافن (التي تسفن وجه الأرض كأنها تمسحه)، والزّّعزاع (إذا حرّّكت الأغصان تحريكا شديدا وقلعت الأشجار)، والز ََّو ْْبع ََة (تثير الغبار وتديره في الأرض حتى ترفعه في الهواء)، والم ُُذ ََع ْْذ ِِع ََة (الشديدة التي تحرّّك كل شيء)، وكذلك الس ََّج ْْس ََج والس ََّج ْْواء والس ََّهوة (وجميعها من الريح الليّّنة). الرياح في الثقافة الإماراتية وتكاد تتطابق هذه المسميات العربية للرياح مع كثير من شبيهاتها في الموروث الإماراتي؛ ففي فترة القيظ والحرارة

نُُعتت بالسهيلي لهبوبها من حيث يطلع نجم سهيل. والمعرفة بالرياح لم تكن ترفاًً، بل هي ضرورة، لما للرياح من ارتباط بالحياة العملية للناس، فالزراعة وركوب البحر وإنشاء الأبنية وغيرها الكثير من الأنشطة اليومية، كلها على علاقة لا تنفصم بالرياح، فكان لا بد من معرفة أسماء الرياح وأوصافها واتجاهاتها وشدتها والتنبؤ بمواعيد هبوبها، إذ هي تساعدهم على تأدية نشاطاتهم، لا سيما النشاطات البحرية المختلفة، سواء كانت في التنقل والسفر، أو التجارة ونقل البضائع، أو صيد الأسماك، أو في رحلات الغوص التي كانت تستحوذ على أشهر عدة من حياتهم السنوية. وللرياح والأهوية أهمية في التنبؤ بكثير من الظواهر الطبيعية؛ فظهور بعض النجوم أو غيابها ينبئ بهبوب رياح معينة، ومن خلال الرياح كان يتم الاستدلال بنضوج بعض الثمار.

خالد صالح ملكاوي كان للرياح في الإمارات دورها الكبير في رسم حياة الناس قديما ًً، كما كان لها حسبتها الدقيقة. وتزخر ذاكرة القدامى بأنواع ومسميات للرياح تمك ّّنوا من خلالها من التنبؤبالأحوال الجوية، وطو ََّعوا حياتهم بما يوائم سيرورتها، من سكونها إلى ثورتها. وكان من عادتهم الاصطلاح على تسمية الرياح بأسماء مختصرة، كي يسهل عليهم التوصيف، وامتزجت هذه المسميات في نسيج حياتهم، وت برََّعت في صميم إبداعاتهم من ألوان الأدب الشعبي. وارتبطت بالرياح كثير من الألفاظ المحلية، ودرج استعمالها ٍ سواء، فالتقوا على أن لفظ �ٍّ عند أهل البحر والبر على حد «الريح» يطلق على الهواء القوي، أما الهواء الخفيف، أي النسيم، فيطلق عليه هواء، ونجد أن «خواهر» تعني ركود الهواء وسكونه، وتستخدم أحيانا في وصف هدوء البحر، كما أن «ذعذاع» تعني أن الهواء نسيم جميل ومنعش، لا يحرك ماء البحر ولا يسبب أذى في البر. واعتاد أهل الخبرة بالأجواء أن يميزوا تغيّّر حالة الطقس بمنتهى الدقة، ولذلك برعوا في تحديد اتجاهات الرياح والتمييزبينها. والرياح دائما ما تستدير؛ فقد تتحو ََّل الريح من حالة محددة السمات إلى مسار آخر، وتأخذ اسما جديداًً، لذا فقد بات من المعروف أن «السوايب أو السايبة» هي الرياح التي تشتد وتخف ولا تستمرعلى حالة أو سرعة واحدة، وفيما تُُعد «الطوفان» أشد الرياح التي تهب على البحارة في عرض البحر، نجد «النسناس» من أكثر الأهوية لطافة وعذوبة. ويََس ْْعََد أهل الإمارات بهبوب الرياح الشمالية التي كانوا يسمونها هوى غربي، وتأتي غالبا من ناحية الغرب، وتكون باردة، وتستمر أياما عدة، كما أنها تشكل فرصة لظهور طلع النخل وموعد تنبيت أو تلقيح النخل. وقد تكون رياح الغربي أكثر أنواع الرياح هبوبا على مدار العام. وبينما رياح الشرقي أو المطلعي، التي تأتي تسميتها لهبوبها من ناحية مطلع الشمس، تكون من الرياح الهادئة الجميلة والباردة، خاصة في المساء، ونجد أن رياح السهيلي ذات نسمة حارة وحارقة، وقد

الشديدة تهب على الإمارات «رياح الروايح»، تأتي من الشمال إلى الجنوب، تشتد أحيانا وتهدأ أحيانا أخرى، وتثير كثي ار من الغبار، وقد تسقط الأمطار بغزارة، مما يظهر مفارقة عجيبة بين الحرارة الشديدة والقيظ والمطر. ويخاف أهل البحر من قدوم «رياح الشمال»؛ فهي الرياح الهوجاء، لذلك قيل: «إذا ضرب الشمال دو ّّرلك على بندر». وت ُُعد «رياح شمال الثمانين» أقوى رياح الشمال، وترتفع معها الأمواج إلى أعلى حد لها، في حين أن «رياح الغربي» وتسمى «بارح» ليس لها تأثير على أهل البحر، لأنها رياح معتدلة تهب من جهة الغرب، ويبدأ هبوبها بعد نهاية فصل الشتاء مباشرة. أما «رياح الشمال والسهيلي» فهي رياح شتوية باردة، وغالبا ما يسبقها هبوب «رياح السهيلي»، ويقال عنها «رياح السموم». فيما «رياح السهيلي أو العقربي»، التي غالبا ما تهب من ناحية الجنوب، فيبدأ موسمها بعد انقضاء النصف الأول من شهر أغسطس، ويكون بداية تغير المناخ الحار إلى جو لطيف، ويظهر معها نجمان من النعش. وتهب «رياح الكوس» على السواحل الغربية والشرقية للدولة قادمة من الهند، وعادة ما يصاحبها أمواج عالية، فيما يسبب هبوب «رياح الثريا» تساقط أشجار النخيل. وتؤثر «رياح الأحيمر» في البحر والبر، وهي رياح قوية، ويصاحبها أمواج عاتية في البحر، وموسمها فترة انتهاء در التسعين ودخول در المئة في منتصف نوفمبر. وهي فترة لا تناسب الأسفار البحرية، فيما يكون موسم «رياح أربعين المريعي» أواخر ديسمبر، ويصاحبها انخفاض شديد في درجات الحرارة. وأول الشتاء يكون موسما لـ «رياح لكيذب» أيضا ًً، وهي رياح قوية، يسبقها هدوء تام، وتظهر سحب رعدية مسببة أمطا ار غزيرة مفاجئة. ومع دخول شهر فبراير، تتجه الرياح نحو «النعشي»، فينعش

19

18

2024 يناير 291 / العدد

الرياح والأهوية في الإمارات.. بين التحد ّّي والإبداع

Made with FlippingBook - PDF hosting