torath 291 - Jan -2024

الرياح والأهوية في الإمارات.. بين التحد ّّي والإبداع

البرية: رياح نسيم البحر، ورياح السهام، والكوس. وغني عن البيان أن المجتمع الإماراتي قبل اكتشاف النفط قد اعتمد على الرياح في خفض درجات الحرارة الملتهبة في الصيف بواسطة البراجيل، وأخذ البحر النصيب الأوفر من الاهتمام بالأهوية المحلية؛ فالسفن الخشبية القديمة اعتمدت اعتمادا كليا على الأهوية من خلال أشرعتها؛ حتى إن البحارين أجبروا على تتبع هذه الأهوية واستغلالها الاستغلال الأمثل لإنجاح رحلات البحر، لذا كانوا يدركون أهمية بعض الأهوية مثل: الأزيب والبرصات والخيّّاي. ويؤكد فهد المعمري في كتابه أن تراث الرياح والأهوية المحلية في الإمارات تقع في ثلاثة محاور، أولها الاهتمام باسم الرياح والأهوية، للتمييز بين الأهوية الكثيرة التي تختلف في كل شيء؛ سواء في تحديد الاتجاه أو التاريخ أو السرعة، إلى جانب معرفتها بأنها رياح باردة أوحارة، وهكذا ع ُُرفت الرياح باتجاهاتها مثل: رياح الغربي التي تأتي من جهة الغرب، والمطلعي التي تأتي من جهة طلوع الشمس. وقد عرفوا سرعات الرياح فمنها الشديدة القوية التي تربك البحارة فكانوا يجتهدون في حسابها تجنبا للخسائر كرياح الأزيب والبرصات، ومن الرياح المتلفة أيضاًً: الطوفان والضربة التي تؤدي إلى هيجان البحر وتلاطم أمواجه؛ كضربة الشهيلي وضربة الكوس وغيرهما. وجرى وصف بعض أنواع الرياح من حيث إنها تأتي بالمطر مثل رياح المزر، والرياح التي تأتي بالغباروالأتربة كرياح الذاري ورياح الكوس، ومنها الرياح الباردة كرياح الأربعينية، والرياح شديدة البرودة كرياح شمال الثمانين. والمحور الثاني في تراث الرياح يقوم على صفة خاصة للهواء المحتمل من قبل الرياح، ويعد وصفا دقيقا عن أهميتها ودرجة السرعة والبرودة والحرارة، مثل النسيم والزفزاف والمريف. والمحور الثالث يأتي ضمن الأمثال والكنايات الشعبية التي تتحدث عن الرياح والأهوية المحلية في دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد رسمت لنا هذه الأمثال والكنايات صورة واضحة لمدى تعلّّق الأولين بهذه الأهوية وملاءمتها للواقع. التدخل المشؤوم للمحرك البخاري حد من أهمية الرياح يذكر كتاب (التدخل المشؤوم) الصادر عن الأرشيف والمكتبة الوطنية لمؤلفه مايكل كوينتين مورتون أن العرب كانوا يعرفون ظاهرة الرياح الموسمية منذ القدم، وقد نقلوا معارفهم إلى البحارة في كل أصقاع الأرض، وأسست منظومة تجارية تمتد

من أفريقية إلى الهند والشرق الأقصى، شملت تجاار يتاجرون في مختلف السلع مثل: التوابل والعاج والمعادن، وعلى النقيض من البر الرئيسي العربي حيث كانت فرص السفر مسافات طويلة محدودة، وقد أوجدت الرحلات الأولى للبحارة العرب شبكة واسعة ومعقدة احتضنت مختلف الشعوب الذين تواصلوا معا عبر العلاقات التجارية. ويشيرالكتاب إلى أن الرياح الموسمية تنشأ عندما تزداد حرارة الأرض وتبرد بالنسبة للبحر؛ فتجلب الهواء الرطب في أشهر الصيف، وتعكس اتجاهه في فصل الشتاء، وفي بحر العرب تهب الرياح الموسمية من جنوب غرب المحيط الهندي بين مايو وسبتمبر، وتهب من شمال شرق شبه القارة الهندية بين نوفمبر ومارس، ونتيجة لذلك كانت التجارة البحرية تمارس على أساس موسمي؛ إذ كانت السفن الشراعية تعتمد على اتجاه الرياح للوصول إلى وجهاتها، وقد مكّّن إيقاع الرياح الموسمية البحارة القدماء من التنبؤ بالوقت الذي يمكنهم

فيه الإبحار إلى الهند وأرض الزنج «وهي تقع في منطقة جنوب شرق أفريقيا» - فالعرب كانوا يعرفون ساحل شرق أفريقية - ويمكنهم الإياب عبره. السفن في الخليج طوع اتجاهات الريح وهدوئها ونتيجة لتيارات الرياح تمكّّنت السفن الشراعية من القيام برحلة ذهاب وإياب واحدة إلى الهند أو أرض الزنج في السنة، وهذه حقيقة استخدمها الإغريق القدماء لمصلحتهم عند إبحارهم من الساحل العربي الجنوبي ليلحقوا بالرياح اللينة التي تنقلهم إلى الساحل الشمالي الغربي للهند، وكان الطريق التقليدي - بمحاذاة الساحل العربي إلى الهند - يستغرق أربعة عشر شه ار ًً. ووفقا لدليل الملاحة اليوناني القديم كانت الرحلة من منفذ البحر الأحمر إلى الهند باستخدام الرياح الموسمية تستغرق شهرين فقط. وكان من الممكن - آنذاك - إتمام رحلة العودة عندما ت ُُغيرالرياح اتجاهها، وهو ما يجعل رحلة الذهاب والإياب سريعة تقريبا حسب المقاييس الزمنية المتمهلة للعالم القديم. لقد أثمرت خبرة العرب في الرحلات مسافات طويلة نظام ملاحة خاصا بهم، مختلفا عن الأساليب الغربية السائدة عليها، وقد استخدم الغربيون ا � في ذلك الوقت، ومتفوق مصطلح «داو» لوصف القوارب الشراعية العربية عامة، كانت مراكب «الداو» في منتصف القرن التاسع عشر تتمايل مبحرة بحمولتها من البضائع بين الموانئ المحلية في الخيران والأنهار أو عبرالخليج العربي، ولم تكتف هذه المراكب الشراعية بذلك إذ غامرت مبحرة نحو الهند وعُُمان، واليمن بأطقم محلية

أيضاًً، في حين كانت المراكب الكبرى - مثل البغلات - تبحر في الخطوط البحرية الطويلة، وكان لهذه التجارة شأنها، لا سيما أن الخليج العربي قد عََرف بحارته أنظمة رياحه فالرياح الشمالية الغربية السائدة - المعروفة باسم رياح الشمال - تهب قرابة تسعة أشهر في السنة، وتكون الأكثر انتظاما ما بين مايو ويونيو، وتكملها في فصل الشتاء رياح الكوس، التي تهب من الجنوب الغربي وتهب الرياح الشمالية الشرقية عبر خليج ع ُُمان، أما رياح السهيلي فهي جنوبية غربية أيضاًً، وكانت تخيف البحارة، لأنها عادة كانت تضرب المراسي المحمية في الساحل الفارسي. خلقت هذه العوامل كلها مشهدا معقدا ومتغيار باستمرار، وأنماطا تجارية تميزت بتنوعها وتأثيرها البعيد المدى. وفي الوقت الذي كانت السفن الشراعية النوع الرئيسي للنقل لكل من العرب والأوروبيين فإن قواعد الطبيعة نفسها كانت تنطبق على كليهما: قوة المد والجزر، واتجاه الريح، والقيود التي يفرضها الحجم والمسافة، ولكن ظهورالبخارقلب الميزان أوردت صحيفة 1830 لمصلحة نوع جديد من السفن، ففي عام «لندن ريفيو» الربع السنوية أنه حل عنصر جديد محل التأثير غير المؤكد والمحدود للرياح والمد... وكان العنصر الجديد هو المحرك البخاري الذي يسيّّر البواخر التي تستطيع أن تحدد جداولها الزمنية تحديدا مستقلا عن الرياح والمد والجزر، ولكن الانتقال من الشراع إلى البخار لم يكن سهلا

إعلامي مقيم في الإمارات

25

24

2024 يناير 291 / العدد

الرياح.. من علوم الماضي التي احتفظت بها الذاكرة

Made with FlippingBook - PDF hosting