torath 291 - Jan -2024

الرياح والأهوية في الإمارات.. بين التحد ّّي والإبداع

الدوامة هي اللولب الهوائي في الأشياء، باعتبارها مصد ار للحياة والطاقة الطبيعية وقلب المياه الطبيعية، وهي تحيط بالجنين وتلتف حوله برعاية وحنان. أحيانا تكون الريح دالة على الخفة والخفقان اللطيف، حين نرى ريشة سابحة في الأفق، تمضي الريشة في ميلانها الجميل ورقصها مع الريح وكأنها في حالة صفاء خلودي حميم وطيران ح ُُر نحو عوالم ملائكية أخرى. أما عن الملائكة، فإن الريح كما ورد في الأثرهي جند من جنود الله، والريش في الريح مدلول سحري على طواف الملائكة بالقرب من الإنسان العابر لبقعة جغرافية نائية عن محيط الطيور، ليتساءل: من أين جاء الريش ياتُُرى؟ حتى يبلغ نشوة الاطمئنان بوجود ملاك حارس يمضي بقربه، حافا بأجنحته مدار السفر والأمل. وتكون الريح حاملة لأجنحة النسر الشاهق في الأعالي. ولها مدلول آخر يضاف إليها يدل على القوة الشمسية الجانحة وإشعاع الكبرياء والجلال والوقار. وفي النقوش الحجرية في شبه الجزيرة العربية يكون نقش السهم دلالة على عبور الريح من جهة آمنة، ويرمز إلى الغرق وهواء العاصفة أيضاًً، وهو رمز شمسي هوائي ورمز المحارب المقبل كشعاع الشمس المخترق لسحب الظلام. والرياح قد تجري بما لا تشتهي السفن، فتمضي بنا عكس التيار وعكس الأنماط وعكس الجماعات، هذا المسار العكوسي هو في حد ذاته ولادة جديدة للتغيير وفكرة التخلي لنمط قديم صراعي تعصبي اتجاه مبادئ بالية وزائفة أهلكت أمما كبرى، ومازال تأثيرها يُُرهق المنساقين خلفها وخلف ميراث وعي جمعي جماهيري دونما تبد ّّل وتحو ّّل، الرياح تكسرالنمط وتحرر ِست عبر السنين وصنعت بطولات زائفة �ِّ من عبودية أفكار ق ُُد في تاريخ الخلائق. أن تجلس على بساط الريح وتُُسافر، كان ذلك ضربا من الميثيولوجيا السحرية التي ورثت فكرة الانتقال بين بلدان الأرض، جلس السندباد وارتحل في الأصقاع، وعلى البساط الطائر نفسه في الريح جلس علاء الدين وبدر البدور، وتشبث ًًا الأربع والأربعون حراميا ببساط الريح، فأسقطتهم الرياح واحد تلو الآخر في البراكين ومواقع الزلازل الكبرى والزوابع ومنبت الجن والعفاريت. ولم يعد منهم أحد أبداًً. هكذا كانت الريح حامية لبساط العدالة والأمان والسلام. وكان بساط الريح مفتتح التفاؤل لفكرة الانتقال بين الأبعاد الأرضية، ليأتي الإنسان المعاصرباختراعه الجديد الذي يخترق

الأهويـــــــة فعل التخطي والإنماء والرسائل

لولوة المنصوري تداركا لمسألة الكتابة عن الهواء في الموروث الإماراتي، فهناك معنى شمولي كوني عام أحببت الاستنارة به مما تنضح به الذاكرة الم ُُحف ّّزة لمبدأ المدلول والرمزية والمنطلق الأول لسر الأهوية والريح ومدركات الرسائل في الطبيعة. فالريح تحملها الجهات الأربع المتصلة بالدّّهر، وهي الروح والنََّفي الحيوي للكون، كان الارتباط الرمزي بها كامنا في كسر القيود والحبال والخيوط والتحليق بعيدا ًً، الريح إشارة إلى الزوال والتحرروانبعاث جديد لرائحة البذوروالقمح في السهوب والحقول البعيدة، ورسالة المطر والبشارات والأعياد والسلام. وقد تأخذ الرياح شكل طاحونة الهواء لبث معنى الخصوبة والتدفق والحصاد والأجنة. وفي المقابل تكون الريح حمالة وجه سوداوي إذا تحو ّّلت إلى زوبعة، فتكسر الأجنحة وتخلق دما ار وخرابا عظيما في الحياة، الزوبعة إشارة إلى بدء الحرب والموت والهلاك والفقد. وعلى النقيض تماما يُُمكن أن تسبق الزوبعة الأمطار المخصبة، فقد ارتبطت في الميثيولوجيا بآلهة الأمطار والرعود، ونجد في أساطير الصين أن إله البرق والزوابع له شعر مجدول على نحو لولبي، وفي رمزية الهنود الحمر هي الروح العظيمة وقوتها، ويمكن للزوبعة في ثقافات بعض الشعوب القديمة أن تحمل الأرواح إلى العالم الآخر، وهي تأخذ في هذه الحالة رمزية الزمن اللولبي.

به سبل الريح والبروق والرعود، غير عابئ بريش الملائكة وحدود الجن وأنظمة المناخ، فاخترع الطائرة والصواريخ والقنابل الذرية والرصاص والمدافع... كل ذلك استحال إلى شكل عبثي موتي في الريح. لم يستأذن أحد الريح حين فج ّّروا بين جوفها عواصف الحروب البشرية، فلوثوا الزمان والمكان والخيط الموصول بينهما. يبقى لنا متنفس بين الش ََّعر الغجري المسترسل في الهواء، كناية الأمومة والأمان والسعادة وجلب الخير والمطر، وهي حركة الأمهات والأخوات البدويات في الريح لاستجلاب المطر على صحاري الخليج العربي، ينعشن الرياح بشعورهن وكأنهن بذلك يُُحركن الأنواء والمناخات، فيأتي طقس استقبال الغيث على التربة الظامئة للحياة، طقس التحبب للعبير والنماء السلالي في الأرض. فتكون الصلاة في الهواء وعلى ظهر الريح أعظم اتصال بشري مع الكون، وأعمق طريق يتجاوز فيه الإنسان العالم ويسمو فوق وجوده المادي، فيبدو بصلاته المنتعشة في الريح مثل الشجرة الوارفة المختالة شك ار وصلاة وانسجاما في الحياة الأبدية روائية وباحثة إماراتية

27

26

2024 يناير 291 / العدد

الأهويـــــــة فعل التخطي والإنماء والرسائل

Made with FlippingBook - PDF hosting