الرياح والأهوية في الإمارات.. بين التحد ّّي والإبداع
يصعد المرقاب، خوفا من الذكرى، تلك التي أشبه ما تكون بمشنقة للعشاق المتيمين؛ فمن يصعد المرقاب أو الرجم، ويتنفس تلك النسمات العليلة الباردة، عند المساء أو الفجر، في الصيف تحديداًً، يتذكر (هواه) أي محبوبته. وتكر سبحة الذكريات والأماكن والأحاديث والضحكات وأجزاء القلب الصغيرة. شحنة عاطفية بهذا القدر من الوزن، قد لا يتحملها قلب العاشق الذي أوهنه الفراق مضافة إليه هموم الحياة. وذكريات الغرام منها بعضها لا يرم ّّ، فهي تبقى حية كما الجمر تحت الرماد، أو تبقى كالطلول - بقايا المساكن - أو كما وصفها طرفة بن العبد في معلقته: (لخولــــــــــــــــــــــــة أطــــــــــــــــــــــــلال ببرقة ثهمـــــــــــــد تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد) برقة ثهمد، مكان. ولمعرفة المزيد عن الهوى لدى الشعراء - الفصيح منهم والنبطي - هناك شيء من هذا لدى الشاعرأبوفراس الحمداني. بيت من الشعر في هذا المعنى. يقول: (ما كل من دخــــــــــــــــــــل الهوى، عرف الهــــــــــــــــوى ولا كــــــــــــــــــــل مــــــــــــــــــــن قرأ الكتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاب ََ، فهــــــــــــيم ُُ) وقد ورد (الهوى) واضحاًً، في ذكره ومعناه، في بيت للشاعر نفسه، طرفة بن العبد، يقول فيه: ُُ(وأمر ما لــــــــــــــــقيت مــــــــــــــــــــــــــــــن ألـــــــــــــــــــــــــــــــــــم الهـــــــــــــــــوى قرب الــــــــــــــــحبيب ومـــــــــــــــــــــــــــــــــــــا إليــــــــــــــــــــــــــــــه وصــــــــــــــــول كالعــــــــــــــــــــــــــــــيس في البيــــــــــــــــــــداء يقتلُُها الظمــــــــــــــــــــأ والمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاء فــــــــــوق ظهورهــــــــــــــــا محمــــــــــــــــــــــــول ُُ). والعيس هي الإبل. الماء المحمول، ذلك المخزون في أسنمة
الإبل - مُُفردها سنام. لكن ماذا عن الأهوية، ومفردها هواء؟
هواء الصحارى يرسم الخضرة المرقاب ذاته، الذي مررنا على ذكره آنفا ًً، يأخذ معنى آخرلدى ابن البادية؛ حيث رؤيته للمرقاب تختلف عن رؤية الشعراء له، بل إن للمرتفع هنا في الصحراء مهمة، لها تأثيراتها على حياة الفرد فيها، وحياة قبيلته، خاصة في فصل الربيع، ذاك الذي ٍ�ٍّ يأتي بخير كثير بالنسبة إليهم، أجمله يكون بعد شتاء سخي بالغيث. يقول أحد البدو من أهلنا الطيبين: (نحن في الصحراء دائما ما نفرح بهبوب الهواء - الرياح - ونتوقعه بفارغ الصبر بين الحين والآخر في اليوم الواحد، لحاجتنا الماسة إليه؛ فالرياح تنقل لنا البذورمن المنخفضات إلى المرتفعات، أي من الأرض الواطئة المنبسطة إلى المراقيب العالية - الحيود - والهضاب، ثم تنشرها في الأنحاء، لتتجم ّّل بها الأرض وقت الربيع. نكتشف هذا بعد شتاء مطير، ثقيل سحابه ويكون ممتلئا بالماء، فتحيا الأرض بعد يباسها، وتخضر وتزهر، وتمنحنا خيرات مختلف ألوانها، ومتعددة فوائدها. لنا ولأنعامنا، والهوام الأخرى على اختلافها. ويضيف البدوي: إن هبوب الرياح في الصحراء لها مواعيد - مواقيت - فهي غالبا ما تهب في أشهر ثلاثة محدودات من العام، هي يناير وفبراير ومارس. ثم يتقفاها فصل الربيع، الذي يكون في شهر إبريل. (فلله الفضل والمنّّة).. يقولها بينما ترنو عيناه إلى السماء، يرقب السحب في انتقالاتها. إن وجود البدوفي الصحراء، بعيدا عن ملهيات الحياة العصرية
للأهواء في كل بلد أسماء محلية
محمد حسن الحربي ثمة فرق بين كلمتي الهواء والهوى، كتابة ومعنى. وهناك فرق بين كلمتي الريح والرياح أيضاًً، من حيث المعنى. والمسألة كلها لا علاقة لها بصيغة (المفرد أو الجمع)، ولا بطريقة حروف الكلمة، بقدرما لها علاقة بمكان الكلمة في الجملة، وطريقة استخدامها في السياق. الجملة والسياق، نعم. هما الأهم في الكتابة على اختلاف أنواعها. وبات من المعلوم للمهتمين جميعاًً، أن للكلمة لها معنى محدداًً، وهي ضمن السياق، ويتغي ّّر معنى الكلمة إذا ما خرجت من السياق. أي إذا تم اجتزاؤها منه. الهوى غير الهواء إن (الهوى)، لكي نقف على معناه من دون إسهاب في الشرح، نلجأ إلى قصائد الشعراء؛ فالهوى عندهم ليس هو الهواء الذي نعرفه، ونتنفّّسه. بصرف النظر عما إذا جاء عليلا مساء أو فج ارًً، أو إذا جاء نذي ار في شكل زوابع، سريعة شديدة، تقتلع الشجر والحجر، وتدم ّّر كل شيء في طريقها. وقد نقرأ ونسمع في قول الشعراء الكثير في هذا البعد؛ فأحد شعراء النبط من جزيرة العرب، يقال له الشريف جري
الجنوبي، ينصح صاحبه تجنب صعود المرقاب أو الرجم - المكان المرتفع من الأرض - لئلا يلقى من (الهوى) تباريح لا يحتملها. يقول الشريف لصاحبه: (لا تشرف المرقاب يلعب بك الهــــــــــوى يذكرك المرقاب يا صاحبي بالخليل) قبل أن نبسط فحوى النصحية التي أراد بها الشاعربأن يمتثل لها صاحبه وصديقه. لنعرّّف ما هو المرقاب المعروف غالبا في الأماكن الفضاء، أي قليلة المساكن، أو المأهولة بلا كثافة. كالصحراء على سبيل المثال، أو بعض القرى على أطراف المدن. المرقاب، هو المكان المرتفع من الأرض كما يعلم الجميع، لكن بعضهم يطلق عليه (الرجم) بتسكين الميم. وثمة من يطلق على المرقاب، اسم الرج ْْم. وثمة من يقول إن هناك فرقا بين المرقاب والرجم؛ المرقاب تكوّّنه الطبيعة، أما الرجم فللإنسان يد فيه. لكنهما - المرقاب والرجم - يشتركان بالارتفاع عن مستوى الأرض، ومن يرقى أحدهما يرى الأشياء، حتى البعيدة منها، على نحو أوضح. الذكرى مشنقة العاشق قصد الشاعرفي هذا البيت من الشعر، أن ينصح صاحبه، ألا
41
40
2024 يناير 291 / العدد
للأهواء في كل بلد أسماء محلية
Made with FlippingBook - PDF hosting