torath 291 - Jan -2024

الرياح والأهوية في الإمارات.. بين التحد ّّي والإبداع

ديوان العرب يحفظ أسماء الرياح أنْْسنة الريح تقنية فنية في الشعر النبطي

ولم تحصر اللغة المموسقة «الرياح» في معناها المحدد، ولكنها فتحت له مجالا واسعا للاستعارة والمجاز، من ذلك ِياح: أي ضاع جُُهده عبثا ودون �ِّ القول «ذهََب عملُُه أدراج الر . ) 3 ( فائدة وبلا نتيجة»، و«هب ََّت ريح ُُه: أي جرى أمره على ما يريد» ورغم القوة التي كانت تمثلها الرياح والمستمدة من الغيب، ظلت وفق علم الأرصاد الجوية من الظواهر الطبيعية الكثيرة التي يمتلئ بها الكون، حتى جاء الشعربمخيلته الواسعة، فمنح هذه اللفظة المحددة أبعادا كثيرة، واحتمالات لا نهائية من التأويل. الرياح في القرآن الكريم القرآن الكريم ليس مرجعا دينيا للمسلمين فقط، ولكنه مرجع مرات، 10 لغوي أيضاًً، وورد لفظ «الرياح» في كتاب الله تعالى ِي ََاحُُ �ِّ مرة، و»قال ع ََب ْْد الل ََّه ب ْْن ع ََم ْْرو: الر 18 أما لفظ «الريح» فورد ثََمََانِِيََةٌٌ، أََرْْبََعََة مِِنْْهََا رََحْْمََةٌٌ، وََأََرْْبََعََة عََذََابٌٌ، فََأََمََّا الرََّحْْمََة فهي: ِرََات وََالْْمُُرْْس ََالَاُت وََالذ ََّارِِيََات ُُ. وََأََمََّا الْْعََذََاب فََلها �ِّ َالنََّاشِِرََات وََالْْمُُبََش ِ، وََالْْعََاص ِِف �ِّ أربعة أيضا منها: الْْعََقِِيم وََالص ََّرْْص ََرُُ، وََهُُمََا فِِي الْْبََر وََالْْقََاص ِِف ُُ، وََهُُمََا فِِي الْْبََحْْرِِ»، و«قال المفسرون، إن «الرياح» . ) 4 ( تأتي في موضع الرحمة، و»الريح» تأتي في موضع العذاب» الشعر حافظ اللغة ع ُُرف الشعر بأنه ديوان العرب، لأنه جمع عاداتهم وتقاليدهم، وقدّّم صورة واقعية تاريخية للحياة الاجتماعية القديمة بكل ما تتضمن من تفاصيل وأسماء وبلدان ومناطق جغرافية، ولم يكتف الشعر بذلك فقط، بل كان مخزنا لغويا جمع الأسماء أيضاًً، وحافظ عليها من الضياع على مر العصور، ولعل ذلك هو ما جعله أحد المصادر الرئيسية للمعاجم اللغوية العربية. و»اللغة العربية غنية بأسماء الريح وصفاتها، وما يتصل بها، أسماء لها، منها: 105 وقد ورد في قصائد شعراء الجاهلية ﻵﺍﺒﺩﺓ، الداهية، الإعصار، ﻷﺍﺒﺎﺭية، ﺍﻹﻼﻗﺒﻴﺔ، الأوب، ﻷﺍﻭﻭﺭ، ﺍﻟﺒﺎﺭﺡ، ﺍﻟﺒﻠﻴل، الثاقب، الجائلة، ﺍﻟﺠﺎﺭﻴﺔ، ﺍﻟﺠﺎﻓﻠﺔ، ﺍﻟﺠﺭﺒياء،

الأمير كمال فرج واجه الإنسان القديم تحديات كثيرة منها الظواهرالطبيعية، كالأمطار والعواصف والزلازل، حيث كان صراع البقاء يحت ّّم عليه مواجهة هذه الظواهر الجب ّّارة ليحمي نفسه من الخطر، حتى تمكّّن أخيار من مجاراة الطبيعة وترويضها وتطويعها لخدمته. كانت الرياح في العصور القديمة قوّّة خفية غامضة، تتحكم في مصائر الناس، فتمنحهم الحياة عند اللطف، وتأخذها عند الغضب، وهو ما رفعها إلى درجة التقديس، لذلك سمّّى الإغريقيون «بورياس» إله الريح، واعتقد اليابانيون القدماء أن الرياح تحمل روحا قوية، . ) 1 ( تتحكم فيها الآلهة واستحوذت الرياح على اهتمام خاص عند العربي القديم، حيث كانت المحرك للعديد من الظواهر الأخرى، فهي تتحك ّّم في درجة الحرارة والمطر والزراعة والتجارة وحركة السفن، وتحدد سير المعارك. ولفظة «الريح» في اللغة مشتقة من فعل «رََوََحََ»، دلالة على السعة والفسحة، وأوردت القواميس أكثر من عشرين اسما لها، منها ريح الش ََّمال، وريح دوََّاميََّة، ِيح �ِّ ِيح الخلفيّّة، والر �ِّ ِيح الخفيفة، والر �ِّ ِجايرََّة، والر �ِّ ِيح الت �ِّ والر . ) 2 (» الموسمي ّّة

ﺍﻟﺠﻨﻭﺏ، الجهول، ﻭﺍﻟﺠو، الحاسة، ﺍﻟﺤﺎﺼﺒﺔ، ﺍﻟﺤﺭﺠﻑ، ﻟﺍﺤ ّرّ، الحصاء، الحنون، الخافقة، الخجوج، الخروق، الخزرج، الخوارة، الدافنة، الدّّبور، الدّّروج، الدّّارية، الردّّاد، الرامسة، الرّّخاء، الرعبلة، الزافية، الزجول، الزحوف، الزعزع، الزفزف، السائمة، السافعة، السافية، الساهكة، السفسافة، السموم، . ) 5 ( الس ّّهام، السهو، الشفيف، الشمال.. وغيرها» وقد اشتُُقت أسماء الرياح وفق دوافع مختلفة، فمثلا «الرّّايْْح ِِة» ِهِِيلي» نسبة إلى نجم سهيل �ِّ كانت تأتي مضمخة بالروائح، و«الس ِمال» وتأتي من جهة �ِّ الذي يطلع من جهة الجنوب الغربي، و«الش الشمال، و«الْْغََرْْبِِي» لأنها ريح تأتي من الغرب، و«السموم» لأنها رياح قوية عاتية تحمل الأتربة في الهواء وتسبب أضرا ار كبيرة، ورياح الخماسين وهي رياح جافة وحارة تأتي محملة بآلاف الأطنان من الرمال، س ُُميت بذلك لأنها تنشط في شهر إبريل، أي بعد خمسين يوما من الدخول في فصل الرّّبيع. ولا شك أن تعدد أسماء الرياح وأوصافها والطبيعة الخاصة لكل منها يؤكد ثراء اللغة العربية، التي تتميز بالتنوع والدقة والتخصيص، وهو ما جعلها أفضل لغات التعبير الإنسانية. ولأن الشاعر ابن بيئته، كان من الطبيعي أن يستلهم من كل ما فيها من مظاهر طبيعية، مثل: الرياح والأمطار والرعود والعواصف والفلك، لذلك حفل الشعر العربي بالحديث عن الطبيعة التي تعدى دورها من مادة للوصف إلى التعبير في

كثير من الأحيان عن ذات الشاعر، وخياله التعبيري، وفي حالات كثيرة قامت الطبيعة بدور البطل في حكاية القصيدة.

الرياح في الشعر العربي وردت كلمة «الرياح» كثي ار في الشعرالعربي، وتعددت المواضع التي وردت فيها، وفقا للموضوع والحالة النفسية، وأسلوب الشاعر الإبداعي، فقد تأتي الرياح في الشعر كعامل سلبي، ومن ذلك قول عنترة بن شداد بعد أن رأى منزل محبوبته وقد طمست ملامحه الرياح: ِِ«ل ِِم ََــــــــــــــــــــــــــــن ط ََل ََل ب ِِوادي الر ََمــــــــــــــل بالـــــــــــــي ََــــــــــــــــــــــــــــت آثــــــــــــــــــــــــــــارََه ريـــــــــــــــــح الش ََمـــــــــــــــــــــال م ََح وقفــــــــــــــت به ودمعـــــــــــــــــــــــي من جفونـــــــــــــــــــــي )6 ( يفيــــــــــــــض على مغانيـــــــــــــــــــــه الخوالي» وقد تأتي كعامل إيجابي، كما وردت في بيت قيس بن ذريح الذي قال: إن الرياح الآتية من ديار الحبيبة تجلب الروائح الطيبة، يقول: «ك ََأ ََن ه ُُبوب الريح م ِِن ن ََحو أ ََرض ََكــــــــــــــُُم )7 ( يُُثير فُُتات المِِسك وََالعََنبََر النََدي» ورمزت الرياح في الجاهلية إلى مكارم الأخلاق وإكرام الضيف، وكان من أكثر الناس كرما وجودا لبيد بن ربيعة، فقد نذر على أطعم المساكين، وبقي على هذا ا نفسه ألا تهب رياح الصبا إلّا

45

44

2024 يناير 291 / العدد

ديوان العرب يحفظ أسماء الرياح أنْْسنة الريح تقنية فنية في الشعر النبطي

Made with FlippingBook - PDF hosting