الرياح والأهوية في الإمارات.. بين التحد ّّي والإبداع
على تشكيل صور فنية ترسم بجماليتها الحالة الوجدانية للشاعر، وهو ما نلمسه بوضوح لدى بعض شعراء دولة الإمارات العربية المتحدة الذين اعتمدوا على تلك المفردة في تشكيل دلالاتهم الشعرية، ولنبدأ من حيث أحد روادها، الشاعرسلطان العويس الذي وظفها في إحدى مقطوعاته التي جاءت بعنوان (ورق تجتاحه الريح)، كاشفة من عتبتها الأولى عن توظيف الريح في التعبير عن ذلك الرسوخ النفسي أمام : ) 3 ( جوائح الحياة ًً
أحمد أمين المدني ريح الشمال التي تخطومن بعيد كالمجهول، ًًا تمضي في ثنايا الورق اليابس ونبتة (الدفلى)، تحمل أوتار عازفة ألحان الجمال من بين حناياها، ثم يتحول الشاعر من الزائر والمتحرك (الرياح) إلى المكان حيث النبتة التي يأخذ الشاعر منها روح الحياة النابضة، فيقول في قصيدته (الرياح : ) 4 ( ْْوالدفلى) ارْْفعِِي رأس ََك يا دفلى.. فدنيانا رغام ْْ إنّّنا الموتى.. تعالي.. وابعثي فينا الحياة ْْ أوهبينا منك دفء الحب ِِ.. أنفاس السلام ثغرُُك الريان ُُ.. أقدام لهذي الكلمات ْْ.. ْْ وانعكاس للأحاسيس ِِ.. وبرد في الضرام ْْ أيها القلب المغنّّي في الرياح الصاعدات يتماهى الشاعر مع مكونات الطبيعة الحية التي يشخ ّّصها في
أشرعة الروح في فضاءات الحياة الرياح ودلالات القصيدة
ُقُل للأحبة أن يُُد ْْنوا مجالس ََهُُم حتّّى يََكون الذي ما بيْْنََنا انْْعََد ََما
أما مهبّّهنّّ: فابن الأعرابي قال: مهب الجنوب من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا، والصّّبا: من مطلع الثريا إلى بنات نعش، والش ّّمال: من بنات نعش إلى مسقط النسر الطائر، والد ّّبور: . ) 1 ( من مسقط النسر الطائرإلى مطلع سهيل» وهو ما يفسر غلبة معنى الانتقال والترحال بين الأمكنة والأشخاص في استدعاء الريح/ الرياح في الشعرالعربي، مثلما نقرأ في إحدى قصائد عنترة العبسي التي كتبها حين خرج ذات مرة إلى الشام وتأخرت عودته عن أهله، فراح يشخص الرياح التي لولا ما يحمله من بعض عبلة لمات قبل أن تأتي محملة : ) 2 ( ِِبنسيمها الذي يحيا به فؤاده ََــــــــــــــــــــاك ِ مََـــــــــــن أََنْْش �ِّ ََـــــــــــــــــــــــــــــــــــق ََــــــــــــــاز بِِح ِِرِِيــــــــــــــــــــــــــح الْْحِِج ِ مََـــــــــــــــــــــــــــــن حََيََّـــــــــــــــــــــاك �ِّ ََــــــــــــــــــــــــــــــــي ِي الســــــــــــــــــــــــــاّـََّالَم وََح �ِّ رُُد ِِـــــــــــــــــــــف وََتََنْْطََفِِـــــــــــــــــــي ْْـــــــــــــــــــــــــــــــد ِِي يََخ ََـــــسـََى وََج ِـي ع �ِّ ِِه ُُب ًًن ِِيــــــــــــــــــــــــــــــــر ََان أ ََشـ ْْو ََاق ِِـــــــــــــــــــــــــي ب ِِب ََـــــــــــــــــــــــــــــــر ْْد ه ََـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــو ََاك أََن فِِيـــــــــــــــــــــك بََقِِيََّــــــــــــــــــــــــــة ا ِِي ََـــــــــــــــــــــــــــــــا ر ِِيــــــــــــــــــــــــــــــــــــح ل ََـــــــــــــــــــــو ْْل َا ًًمِِــــــــــــــــن طِِيــــــــــــــــــــــــــب عََبْْلََـــــــــــــــــــــة مُُــــــــــــــــت قََبْْل لِِقََـــــــــــــــاك ك ََي ْْـــــــــــــــــــــف الس ُّـُّلُو و ََم ََـــــــــــــــا س ََم ِِع ْْــــــــــــــــــــت ح ََم ََائ ِِمــــــــــــــــــــــــــــــا كُُنْْــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أََوََّل بََــاكِِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي ا يََنْْــدُُبْْـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن إِِلَّا ًًا وعلى امتداد عصور الشعر العربي، كانت الرياح رم از دالا قادر
عـــادل نيــل الحياة ميدان القصيدة بكل ما فيها، من مظاهرها يشكل الشاعر معانيه، ويرسم لوحات إبداعه، ومن الطبيعة تبوح روحه شع ارًً، فيخلو إلى البحر نديما يسامره، ويكتب إلى الليل خليلا يناجي في عتمته سهاده، ويتغزل في وجه السماء بمعشوقة ارتسم وجهها على خدي القمر، ولمع في النجمة صفاء عينيها، ومع الشتاء يستدعي حزن الذكريات حين يسمع أنين التوجع مع زخات المطر على نافذة تتجهم عابسة في وجه البرق، وفي الخريف يرى ذبولا يمضي به إلى دروب التلاشي، وربما رأى فيه تجددا حينما تخلع الطبيعة عن الأشجار رداء لتكتسي بآخر في بهجة الربيع. ومن بين عناصر الطبيعة تلك وغيرها، تأتي (الرياح) لتشكل أحد المشاهد الحياتية التي ترتبط بتاريخ القصيدة العربية، فتأخذ بوجدان الشاعر في معان متباينة تباين انطباعات بني البشر عن الوجود الإنساني، فيعبر من خلال دلالاتها عن وجدان نابض بأدق المعاني النفسية. وأكثر ما ترتبط به الرياح في القصيدة هو المكان واتجاهاته، فقد قيل «الرياح أربع: الجنوب، والش ّّمال، والص ّّبا، والدّّبور،
أنّّا الذي تاه في دنياهم وََرََقا ِيح في الد ُُّنيا وما نََد ِِما �ِّ تجتاح ُُه الر واستدعاء لبنية المكان في تشكيل صورة الرياح، يشخص
53
52
2024 يناير 291 / العدد
أشرعة الروح في فضاءات الحياة الرياح ودلالات القصيدة
Made with FlippingBook - PDF hosting