الرياح والأهوية في الإمارات.. بين التحد ّّي والإبداع
: ) 7 ( مكنون ما يمكن أن تبوح به وهي تمضي بين الأغصان أخذت الريح من يد ِِها ْْ لأعرف ما تقول الريح ِِ إذا مرت على الأغصان ْْ هل في هزّّها تسبيح ًً ويطرح طلال الجنيبي في قصيدته (بنت الرياح) تساؤلات أثارت لديه شغفا للوقوف على الإجابة ليفسر تلك المتباينات التي أحدثتها الرياح، إذ كيف امتلكت الرياح تلك القوة، فأخذت بالمطر إلى عكس هطوله، وأمسكت بالمتطاير في سكون، وتراقصت الطيور في بهجة الحياة حين انطلقت بين فضاءات : ) 8 (ًً الرياح لتكون لها ملاذا وخيالا كيف سكبت القطر عك َس هطول ِِه ِِ؟ حملت صليب ََها زمنا لأنقذ لحظة التجريح
حديثه بما بينهما من جوامع مشتركة، لذلك راح يبحث عن أسباب الحياة والدفء والسلام فيها، لينشد القلب الممزق أناشيد الوجود مع الرياح الصاعدات لعلها تنساب إلى روحه فترفع عن المحزون الشريد وجع المكلوم. ومن (ريح الش ََّمال) التي رأى فيها المدني سلوانا ولحنا طروبا يمضي معه قلبه المغني إلى (ريح الجنوب) التي أتت عنوانا لإحدى قصائد سيف المري، وجعل «هوجاء يا ريح الجنوب» لازمة لمخمساته الشعرية التي بلغت سبع مقطوعات كوّّنت القصيدة، ليجسد مع كل مقطوعة منها واقع الإنسان في مواجهة الوجود، بين مغالبة القوة القدرية التي تنهزم أمامها الإرادة، وبين التشبث بعزيمة تغالب تلك العواصف، يقينا بأنه مهما علا النشيج واحتد الأنين سيجتاز عثرات السنين، وأنه مهما تلاطمت البحاربفعل هذه الريح الهوجاء فإنها إلى نضوب؛ ولذلك راح الشاعر في مقطوعتيه الثانية والثالثة يقرر أن الاستسلام الذي يأتي من ظلمة الدنيا وصراع النائبات التي تلقي بها تلك الريح، فتترك صاحبها ضعيفا أمام هذا المصير الذي يجعل صاحبه روحا تصر على الرحيل، ما هو إلا بفعل تصوراتنا المجتمعية التي تقرر أن الحياة التي تنال من الضعفاء ولا ترق لحال خائري الإرادة، هي ذاتها التي ترجو القوي وتستعطف الغني، وبذلك نحن من نقرر بأوهامنا أحكامنا السابقة تلك الحقائق ثم نتهم بها واقعنا الإنساني. وإثرهذه النظرة الفلسفية إزاء (ريح الجنوب) التي تشكل معادلا موضوعيا لمفاهيم الحياة القاهرة، يعلن الشاعرفي مقطوعته الرابعة أن سيان عنده إن دجى الليل وابتلع النهار ضياء الدرب وبين انبعاث نور يمضي به، فإن القوة تأتي من ذاته، واعتصامه بثوابته هو ما يستضيء به في عتمة ما يواجه، لأنه هو من يحرك مسارات دربه، إذ «يثير ولا يثار» فلا يترك نفسه
ريشة بين هوجاء ريح تشعل بشدتها القلق والصراع النفسي والاستسلام لإرادة واهية، ثم يختتم مقطوعاته بتلك النظرة الفلسفية لمعادله الموضوعي الذي تجسده اللازمة الثابتة في : ) 5 ( ْْالقصيدة كثبات حضور معناها الرمزي في الحياة، فيقول خ ُُذ ْْني بفلسفة الإرادة من جديد ْْ فأنا حديدي الإرادةِِ.. والحقيقة من حديد ْْ فهي التي قد حرّّكت من صدق ع ََزْْمََتِِها الجماد ْْ و ََع ََد ََت على الدنيا فأشعلت الرماد ْْ ِتها ودع ْْنِِي عن صلابتِِها أنوب �ِّ خذني بعز هوجاء يا ريح الجنوب وهذه الروح العنيدة في مواجهة واقع الحياة التي تغالب ما استقر في مخيلة المجتمع، اتفق معها سالم أبو جمهور في قصيدته (الريح)، فإذا كانت الريح ثائرة بقوتها، لتتوقد من هوجائها النار، فهي لقدح ما يشعل في النفوس عزيمة وإرادة لا لإخماد جذوتهما، ولذلك راح أبو جمهور يهدم هذه الثوابت : ) 6 (ٍٍ فالاستسلام أمام فعل الريح منطق واه ُُقالوا: ْْهي الأرياح ْْتأتي كيفما شاءت ْْفََتنطلِِق السُُّفن حتّّى على وج ْْه التُُّراب الريح تأتِِي كيفما شاءََت ويندفِِن الوطنْْ! ك ََذ ََبوا وكان للشاعر كريم معتوق رأي آخر في علاقته مع الريح، فلم يقف منها موقف التربص والتأهب بحسابات القوة والضعف، والتمرد والخضوع، المغالبة والاستسلام، وإنما راح يصادقها، مثلما يصادق مكونات وجوده، ليعرف ما لديها من أسراروتفسر له بعضا من غوامضها، فعقد صداقة مع الريح لتفضي له عن بين عناصر الطبيعة تلك وغيرها، تأتي (الرياح) من لتشكل أحد المشاهد الحياتية التي ترتبط بتاريخ القصيدة العربية، فتأخذ بوجدان الشاعر في معان متباينة تباين انطباعات بني البشر عن الوجود الإنساني، فيعبر من خلال دلالاتها عن وجدان نابض بأدق المعاني النفسية
ولم قلبت لنا جميع الأمثلةْْ؟ بل كيف أمسك ِت المظلة بالس ّّما وكأن ّّها ٍٍبنت الرياح المرسلة ْْ؟ ِِحتى الطيور تراقصت في بهجة ْْفغدوت أنت ملاذََها والأخ ْْيلة
ُُــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه ح ُُطـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمت وسفينُُكـــــــــــــــــــــــــــــــــــم ألواح
وبنزعته الرومانتيكية التي تشكل شخصيته الشاعرية وترتبط بطبيعته الإنسانية التي تظهر جليا على مدار تجربته الشعرية، يُُقيم أحمد محمد عبيد، من صورة فنية ممتدة في قصيدته (المبحرون مع الرياح) التي أهداها إلى الشاعر الكويتي خليفة الوقيان صاحب ديوان باسم القصيدة، أدخل بها المتلقي في رحلة عميقة الإنسانية مع شخصية من يكتب عنه، دون أن تنفصل ملامح تلك الرحلة عن طبيعة الكاتب ذاته، ويستدعي الشاعرمن الرياح ما ت ُُح ْْدثه من حالة المواجهة والمغالبة وقدرة : ) 9 ( الإنسان على التمسك بقيمه وثوابته في هذا العالم، يقول يــــــــــــــــــــــــــــــا م ُُبحـــــــــــــــــــــــــــــــــــرين مــــــــــــــــــــع الريــــــــــــــــــــاح إلـــــــــــــــــــــــــى الأحــــــــــــــــــــــــــــــلام حــــــــــــــــــــيث العالـــــــــــــــــــــــــم الأرقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى الشمـــــــــــــــــــــــــس والأهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوال تلفحـــــــــــــــــــــــــــــــــــكم ٌٌومصاعــــــــــــــــــــــــــــــب مــــــــــــــــــــــــــــن فتنـــــــــــــــــــــــــــــــــــة أشــــــــــــــــــــــــــــــقى بر َّّانكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم نشــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوان مضطـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرب ِِــــــــــــــــــــــــــــــه أُُفْْقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ض ِِقْْتــــــــــــــــــــــــــــــم بـــــــــــــــــــــــــه وطموح
والعــــــــــــــــــــمق زاد ببحرِِكـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم عُُمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــقا
وشراعُُكــــــــــــــــــــــــــــــم حــــــــــــــــــــــــــــــزن عليــــــــــــــــــــــــــــــه بـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدا
ََـــــــــــــــــــــــــــــــــــه فتْْقََـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا والريـــــــــــــــــــــــــــــــــــح زادت جرح
التســامي عــن صغائــر الأمــور، ومواجهــة الحيــاة بنخــوة الفرســان ُُّــل مــا يواجــه مــن بواعــث الحــزن واضطرابــات الرحلــة وتحم وتحدياتهـا سـمة فـي شـخصية الشـاعر وممدوحـه، حيـث الإبحـار مــع ريــاح تترفــع عــن القــاع وفتنتــه، فأفــق الطمــوح الــذي يرتقــي بصاحبــه فــي صحبــة الريــح يمنحــه مجــدا متســاميا وعــ از رفيعــا ـت ســفائن النجــاة وتمزقــت أشــرعتها مــع مكابــدات مهمــا تحطم الجــرح والحــزن، فثمــة خلــود ونقــاء يمنحهمــا كفــاح المتشــبث : ) 10 ( بقيمــه ريـــــــــــــــــــــــــــــــــح الهــــــــــــــــــوى ساقـــــــــــــــــــــــــــــــــت شراع ََكــــــــــــــــــــــــــــــم نــــــــــــــــــحو الخـــــــــــــــــــــــــــــــــلود وسحـــــــــــــــــــــــــــــــــره الأنقـــــــــــــــــــــــــــــــــى
55
54
2024 يناير 291 / العدد
أشرعة الروح في فضاءات الحياة الرياح ودلالات القصيدة
Made with FlippingBook - PDF hosting