الرياح والأهوية في الإمارات.. بين التحد ّّي والإبداع
الرياح والأهوية في الإمارات.. بين التحد ّّي والإبداع
وعلـــــــــــــــــــــــــــــــــى شفاهِِكـــــــــــــــــــــــــــــــــم الكفــــــــــــــــــــــاح غــــــــــــــــــــــدا
الشعرية بالرياح، في بناء معانيه التي تتوهج بعاطفة متقدة بالوجع والجراح التي تفوح منها أشرعة السفن الماخرة في عباب الحياة. وباستقراء ما سبق من نصوص، يتضح أن القصيدة الإماراتية استطاعت أن تنتقل باستدعاء الرياح من كونها صورة وصفية تشبيهية، إلى مفردة محملة بالدلالات النفسية التي ترتبط بواقع الإنسان في وجوده، وكانت جزءا من رحلته الحياتية حيث مواجهة الانكسار والانهزام، والتعبير عن القدرة على المطاوعة والتجاوز وصولا للغاية الأسمى من الرحلة * كاتب وأكاديمي مصري الهوامش والمصادر: . أحمد بن محمد المرزوقي الأصفهاني، الأزمنة والأمكنة، دار الكتب العلمية، 1 بتصرف. 314 م، ص 1996 ، 1 بيروت، ط . عنترة بن شداد، اعتنى به وشرحه: حمدو طماس، دارالمعرفة للطباعة والنشر 2 . 143 م، ص 2004 ، 2 والتوزيع، بيرو ت - لبنان، ط . 229 م، ص 1999 . سلطان العويس، الأعمال الشعرية الكاملة، دارالعودة، بيروت، 3 . أحمد أمين المدني، الأعمال الشعرية الكاملة، اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، 4 . 115 م، ص 2006 ، 1 الشارقة، ط . سيف المري، الأغاريد والعناقيد، كتاب دبي الثقافية، دار الصدى للصحافة 5 . 90 ، ص 2009 ، إبريل 2 )، ط 23 والنشر والتوزيع، دبي، الإصدار ( م، 2015 . سالم أبو جمهور، الأعمال الكاملة، مؤسسة نبطي للنشر، أبوظبي، 6 . 25 ، ص 2 ج . كريم معتوق، الأعمال الشعرية الكاملة، هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، 7 . 168 م، ص 2011 ، 1 ، ط 2 أكاديمية الشعر، أبوظبي، ج . طلال الجنيبي، على قيد لحظة، إصدارات دائرة الثقافة والإعلام، حكومة 8 . 111 م، ص 2017 ، 1 الشارقة، ط . أحمد محمد عبيد، عاشق في زمن الغربة، حقوق الطبع محفوظة للمؤلف، 9 . 23 م، ص 1995 ، 1 ط . 25 . المصدرالسابق نفسه، ص 10 . طلال سالم الصابري، برزخ الريح، أكاديمية الشعر، هيئة أبوظبي للثقافة 11 . 7 م، ص 2012 ، 1 والتراث، أبوظبي، ط
الرياح والأهوية من أهم روافد إبداع الشعر النبطي في الإمارات بريد الشعراء وذاكرة التراث
ْْلحنـــــــــــــــــــــــــــــــــا تصـــــــــــــــــــــــــــــــــد ّّح أو هــــــــــــــــــــــوى رق ّّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
ََــــــــــــــــــــــــــــت طفتـــــــــــــــــــــــــــــــــم فـــــــــــــــــــــــــــــــــجاج النـــــــــــور فامتزََج
آهاتُُكـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم وقلوبُُكـــــــــــــــــــــــــــــــــم عشـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــقا
م � ولقيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتم مجـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدا برحلتِِكـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غربـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا بهذا الكـــــــــــــــــــــــــــــــــون أو شرقـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا وقد جعل الشاعر طلال سالم عتبة عنوان ديوانه (برزخ الريح) مفتتحا معب ار عن السمة المضمونية الغالبة على تجربة الديوان، حيث القلق الروحي الذي يسيطر على حالة نفسية، يفسرها إضافة الريح إلى البرزخ، في تركيب يجمع الثابت بالمتحرك، والموت بالحياة، والدائم بالمتغير، وقد تداخل في الكثير من قصائد ديوانه مكونات الطبيعة التي وظفها في التعبير عن هذا التكوين النفسي الذي تحمله توابيت الأماني، في روح يكسوها الوجع، ويضيعها الوهم، وتتجاذبها مشاعر ) 11 ( :الغربة، ويملؤها هذيان المهموم يا أنت كـــــــــــم جـــــــــــــــــــــــــــــــــذع حملت بأحرفــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي ِح بالمُُنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى �ِّ ًًوقطفـــــــــــــــــــــــــــــــــت تابوتـــــــــــــــــــــــــــــــــا يُُلو غيــــــــــــــــــــــما أتيـــــــــــــــــــــــــــــــــت أمـــــــــــد روحـــــــــــــــــــــــــــــــــي لهفــــــــــــــــة ِـــــــــــم جسرََنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا �ِّ ًًوكـــــــــــسرت بالوجـــــــــــع المخي كانت حكايـــــــــــــــــــــــــــــــــات الريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاح غوايــــــــــــــــــــــــــــــة ِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــف وه ْْمِِـــــــــــنا �ِّ ًًكبرت شراعـــــــــــــــــــــــــــــــــا فـــــــــــي تله للآن نــــــــــــــــــــــز ْْف الشــــــــــــــــــــــمس يصبغنـــــــــــا أســــــــــــــــــــــى ونــــــــــــــــــــــموت رمضــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاء على أوجاع ِِنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ويكرس الشاعر التعبير عن هذه الحالة الشعورية في قصيدته (خلفي الريح)، فما بين ريح تطارده وأمل غائب تأخذ به أشرعة الرياح العاصفة إلى حيث العدم، وما يمتد من خيط العمر صار طوقا خانقا يشتهيه الموت، فكل شيء من صبابات الأمل ينأى بعيدا عنه، ثم في قصيدته (بريدي) يستعطف الريح ألا تقسو حين يحمل بعض صوته إلى محبوبته، وهو في (بقايا
أحمد عبد القادر الرفاعي تحفل النصوص الشعرية النبطية في دولة الإمارات العربية المتحدة بمعجم زاخر من الكلمات والألفاظ المرتبطة في معظمها بعناصر الطبيعة، أو التي تستمد مادتها التعبيرية من المحيط الطبيعي، فهي تشكل في خيال الشاعر وجها آخر من وجوه التعبير عن الذات، والرحيل إلى المعنى وتوظيف أبعاده الفكرية والوجودية والفلسفية. والرياح والأهوية حملت رمزية وعمقا دلاليا واسعا في ذاكرة القصيدة العربية؛ إذ اتخذت من مكوناتها المعرفية والدلالية بمفرداتها وتسمياتها المتعددة ملاذا جميلا وممياز للقصيدة ومكانا خصبا يلجأ إليه الشعراء لتفجير طاقاتهم الإبداعية وتغذية خيالهم الشعري وحشد رؤاهم العاطفية والإنسانية. وقد انصهر الشعر العربي منذ نشأته ببيئته الصحراوية وبعناصرها المتنوعة الحسية والمعنوية كالناقة والرحلة والرمال والأطلال وغيرها، وقد كان للريح حضورمتنوع الدلالات على مر العصور الأدبية المتتالية. وتكمن أهمية الرياح والأهوية في طبيعة المجتمع الإماراتي في العديد من جوانب الحياة من خلال التنبؤ بكثير من الظواهر الطبيعية، فظهور بعض النجوم يؤكد هبوب رياح معينة، وغياب بعض النجوم يأتي برياح معينة، كما يتم من خلال الرياح الاستدلال على نضوج بعض الثمار أيضاًً، ولا سيّّما النخيل، وفي ذلك يقول الشاعر الماجدي بن ظاهر: وفـي أربـــــــــــــــــــــــع م الـقـــــــــــــيـظ وادنـى لــــــــــــه الشتــــــــــــــا ُُــــــــــــــــــــــــوم وبـانـــــــــــــــــــــــــــــت لأيــــــــــــــــــــــــــام الـمـصـــــــــــــــــــــــــيـف رس تــرفّّــع مـرفـــــــــــــوع الـنّّـيـــــــــــــــــــــــــا مـــــــــــــــــــــــــن حشايشــــــــــــــــه غـيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــوب الـثـ يرّّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــا يـبـتـــــــــــــدي بسمُُــــــــــــــــــــوم وبـــاداه صــبــــــــــــــــــــــــــغ مــن بـيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــاض وأحــــــــــــــــــــــــمر كــــــــــــسـا روس وعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــوّّان لهــــــــــــــــــــــــا وصــــــــــــــــــــــــرُُوم والحديث عن الرياح والأهوية المحلية في التراث الشعبي لدولة
الإمارات العربية المتحدة حديث ذو أهمية كبيرة يلقي الضوء على مدى أهميتها واهتمام الأهالي بها وبمعرفة أسمائها وأوصافها واتجاهاتها وتاريخ هبوبها، وهذه المعارف تساعدهم على تأدية أعمالهم وفق هذه الأهوية، وخاصة الأعمال والنشاطات البحرية المختلفة من خلال السفر والتجارة وصيد الأسماك، ومن خلال رحلات الغوص التي كانت تشكل الهاجس الأكبر لهم، والأمر ذاته ينطبق على أهل الجبال والصحراء؛ فالمعرفة يجب أن تكون قائمة للجميع إذا أمكن الأمر، لذا اكتسبت تلك الرياح والأهوية المحلية بعضا من الخصوصية وفقا للخصائص الجغرافية التي تتميز بها عن غيرها من الرياح والأهوية الأخرى، فمنها الأهوية البحرية مثل: رياح «الس ِِيهِِيََانِِي»، ورياح «الخََيََّايْْ»، ورياح «النََّاعِِرْْ»، وهناك الرياح البرية، مثل: رياح «نسيم البحر»، ورياح «الس ِِهََام»، إضافة إلى الأهوية المشتركة التي تأتي في البحر والبر، ومنها الهواء الأشهر في دولة الإمارات العربية المتحدة وهو «الكوس»، الذي تغن ّّى به شعراء الإمارات كثي ار في أشعارهم فمنهم المرحب به، ومنهم المشتكي منه، ومنهم من ينتدبه إلى أصحابه وأصدقائه وأحبائه. وتتوضح
الوعد) المشتت في حنايا الريح، وهو الجراح التي مرت موانئها على سفائن الذكرى فما زاد إلا اغتراباًً، وهو صريع (وهم) في ريح سكرى لعمر يدعو إلى الموت ما تبقى من سهاده، وهو كذلك في قصيدته (لست أنت ِِ) ضحية جراح لا يعرف كيف يلملمها أمام من كانت الرياح العاصفة بذاته، إلى غير ذلك من قصائد الديوان التي تحتشد تراكيبها
57
56
2024 يناير 291 / العدد
أشرعة الروح في فضاءات الحياة الرياح ودلالات القصيدة
Made with FlippingBook - PDF hosting