torath 291 - Jan -2024

الرياح والأهوية في الإمارات.. بين التحد ّّي والإبداع

أهمية الرياح والأهوية وعلاقتهما بالتراث الوطني والمحلي للدولة من خلال القصائد الكثيرة التي صدح بها شعراء الإمارات في هذه الأهوية فأصبحت تاريخا أدبيا وثقافيا يكشف الكثيرمن صفحات حياة الأجداد. ومسميات الرياح والأهوية في الإمارات كثيرة ومتنوعة وفقا لاتجاهها ووقت هبوبها، والظواهر الطبيعية المتعلقة بها وهكذا نتجت أسماء كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر «المزر»، و»الغيّّاضة»، و»اليولات»، و»الرايحة»، و»السهيلي»، و»الأحيمر»، و»الشمال»، و»شمال الثمانين»، و»أربعين المريعي»، و»الغربي»، وسنحاول في مقالنا استقصاء الحقول الدلالية والصور الشعرية التي استلهم من خلالها الشعراء الإماراتيون رياح «الكوس» في قصائدهم بطرق متعددة فـ»الكوس» من الرياح المحلية والساحلية، ويهب «الكوس» من مطلع النعش، ويسميه بعضهم «النعشي»، كما يهب من مطلع الشمس ويسمى «مطلعي» أيضاًً، وفي كلتا الحالتين يسمى «الكوس»، بيد أنه إذا هب من مطلع النعش في فترة القيظ تكون فيه رطوبة خفيفة، وإذا هب في الشتاء يكون باردا ًً. وغالبا ما تكون رياح «الكوس» شديدة التأثير على السواحل الشرقية، وتحدث أمواجا عالية أحياناًً، تؤدي إلى حفر السواحل الرملية، يقول الشاعر سالم بن حميد البحري السويدي: يــالــكــــــــــــــــــــــــــوس لــــــــــــــــــــــــــي هــبّّــيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت ولّّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم وانــتــــــــــــــــــــــــــي مـكـيـنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــة اللّّــــــــــــنج س ُُوقيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه هــاتــيــــــــــــــــــــــــــه لـــــــــــــــــــــــــــــــــــــي يــشــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــكــي تــألّّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم ويــقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــول مــالــــــــــــــــــــــــــــــــــي مــــــــــــــــــــــــــــــن يشاكيــــــــــــــــــــــــه يخاطب الشاعر هنا «الكوس» طالبا منه الاستعداد، ويخاطب محرك الزورق «ماكينة اللنش» لدفع القارب إلى ديار الأحبة واستغلال هبوب الريح لتساعده على الوصول بسرعة، و«الكوس» هنا رمزلنقل الشاعرللديارالتي يحب الوصول إليها وهو يشتكي من ألم البُُعد والفراق، والرياح في هذه الأبيات غدت رم از يحمل دلالات مكثفة لما يختلج في نفس الشاعرمن مشاعر عميقة ومكونا من أهم مكونات الصورة الشعرية. ويقول شاعر آخر: هــــــــــــــــــــــــــب ولــفـــــــــــــا م الـكـــــــــــــــــــــــــــــــــــــوس نسنــــــــــــــــــــــــــــــاس لــمــوقّّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــظ الــغــافــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل تــوقّّــيـــــــــــــــــــــــــــــــظ ّّــــــــــــــــــــــــــيــت لـــــــــــــــــــــــــــــــــــــه يــا هــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلا ولا بــــــــــــــــــــــــاس نــش يـــــــــــــــا مـــرحــبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا بكــــــــــــــــــــــــــوس المقاييــــــــــــــــــــــــــــــــــــظ وهكذا نجد أن الشاعر الإماراتي كان قاد ار على تحديد طبيعة

العلاقة بين الناس وطقس المكان في بقعة جغرافية محددة بعينها وهو يفصّّل الرياح على مزاجه وحالته العاطفية والنفسية والصحية والاقتصادية، فلكل موسم طبيعة دلالاته التي يسقطها على شيء ما قد يكون قريبا أو بعيداًً، وهذا ما سنلاحظه في سياقات الكثير من النصوص الشعرية ومنها ما قاله الشاعر سعيد بن عتيج الهاملي: يــــــــــــــــــــــــــــــــا كـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوس يـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا روّّادي ســـوايـــــبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــك ابــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــردن فــــيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــك الــــســـحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب تنقــــــــــــــــــــــــــــــــــــادي وتـــــســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاوي بــالــمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــزن واحـــيـــيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت قـــلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب غـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــادي هـــيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــس الــصــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــواب اُُو ون «الكوس الروادي»: الهواء الذي يرتاد الأماكن أكثر من مرة، حيث إن هباته المتقطعة أصبحت باردة من كثرة الارتياد. ويقول: حتى إنك يا كوس أحييت القلب الذاهب والمنتهي فلمس الجرح صار يئن من الألم، وبهذا أصبحت رياح الكوس رماز حيا بطاقته التعبيرية الخصبة تحمل من خلالها الرؤية الفنية والتجربة الغنية للشاعر. ويقول في موضع آخر:

يــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا كـــــــــــــــــــــــــــــــوس يـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا لــــو ّّابـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه

عــــنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــده شــــراحـــــــــــــــــــــــة بـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــال

اللــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــيــــل مــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا بـــــتّّـــــيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه

وانــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا جـــــســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدي مــلــتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدي

كـــــــــــــــــــــــــــــــم لــــفــــتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي مــــــــــــــــــــــــــــــن عدابــــــــــــــــــــــــــــــــــــه

حـــانـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي شـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرى لـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــهـلال

والــــصــــبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح يـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاج اهنيـــــــــــــــــــــــــــه يشبه الشاعرنفسه بالهواء الذي يظل طوال الليل «يلوب»، ولا يهدأ ولا يتوقف عن الدوران حتى الصباح، يدور حول «عدابه» أي المرتفع الرملي، إلى أن يطلع الصباح على تلك الحال، والشاعر هنا يضع نفسه موقع الرياح التي لا تنام فهو - أي الشاعر - في موقعه لا يرى غير ما يرى، ولا يستدين صوره الشعرية من شاعر آخر أو من بيئة أخرى لا يعرفها ولم يعشها، بل أصبحت الرياح برمزيتها المأخوذة من الطبيعة سمة بارزة وصفة إبداعية تمك ّّن من خلالها من التعبير عما يجيش في داخله. وفي موضع آخريقول: كــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوس مــــهــــبّّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه بــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدي غــــب ّّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا وطـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى ورمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــال مــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن كــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل عـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد ْْب ونــــــــــــــــــــــــــــــــــــدي شـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل اريـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع يــــفّّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــال واصـــــبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح هـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــواه مــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــردي

عـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن وصـــلـــهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم لا بــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد ّّي

فـــــــــــــــــــــــــــــــي ســـعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــود مـــــــــــــــــــــــــــــــــن اللـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــيال حسب ما ورد في شروحات الديوان الصادر عن نادي تراث الإمارات، فقد قال الشاعر هذه القصيدة في بدايات حياته الشعرية، حيث كان والده لا يرغب في أن يكون ابنه شاع ارًً، لكنه تناهى إليه أن ابنه يقول الشعر، فأراد أن يختبرشاعريته فطلب منه أن يذكر «البد» في قصيدة. والبد هو حشية من ليف توضع على ظهرالمطية لتلامس جلدها تحت ما يتلوها من «شداد» فقال هذه القصيدة بحيث استخدم المفردة كالريح الهابة، وأثبت شاعريته أمام والده والجميع. ويقول في موضع آخر: كــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوس مــــهــــبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه حـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــارج مـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا هــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوّّن بالـسـكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــون بـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــات الـــجـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــفـــن مــستـــــــــــــــــــــــــــــــــارج مــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا غــمّّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــضـت الـعـيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــون يـــعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل الـــمـــطـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر والبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــارج

59

58

2024 يناير 291 / العدد

الرياح والأهوية من أهم روافد إبداع الشعر النبطي في الإمارات

Made with FlippingBook - PDF hosting