إضاءة
الباب والموروث الشعبي
الشعبي هو ذاكرة الشعوب ونبض حيويتها ومخزون الموروث حكمتها فيه ترى القيم والسلوك والعادات راكزة في أقنية من رقائق حافظة لهذه القيم التي تعبّّـر عن سيرة الناس وتطور ثقافتهم وعلائقهم ومعتقداتهم وطقوسهم عند الفرح أو الحزن والملمات وعند الوداع والاستقبال وعند الفقد أو الحرمان.. كما أنه مرآة لعاداتهم اليومية وفي المناسبات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة.. وهناك طرائق للتعبير والحفظ منها الأمثال الشعبية التي تمثل ذاكرة حية للشعوب ومخزنا مهما عن مكنون أفكارهم ومعتقداتهم وفلسفة الحياة ونظرتهم للأشياء واستخداماتها المعنوية والمادية.. والأمثال التي لا نعرف من أطلقها تصبح أداة للكشف وتحليل سلوك الناس ومعتقداتهم. الباب أحد أهم معالم الحضارة الإنسانية لأنه توْْءََم للإنسان حين يوفر العديد من فرص الطمأنينة والرضا والسكينة، حين يكون حارسا ومََدْْخََلا مغلقا على حيواتهم وأسرارهم ومكتنزاتهم، ويمثل الباب الوجاء وأمل ورجاء الحماية والستر وتغليف المكان أو السكن أو الذود بغلاف الطمأنينة والأمان والحماية، ولذلك سنرى أن للباب حظوة أمنية ورماز مهما لحضارة الإنسان وتعددت وظائفه المادية والمعنوية حتى إنه أصبح رماز معنويا للشموخ والرضا والطمأنينة وقوة المنع، واستخدمته الحضارات كلها ليكون حارسا على المدن والديار لما كانت المدن القديمة محاطة بأسوار المنعة والحفظ، وكان الباب رم از لشموخ المدينة بل وقلعة حمايتها بجوار أنه للدخول والخروج من المدينة وإليها. هكذا كانت المدن القديمة في حضارات العالم كلها التي لجأت إلى هذه التقنية لحماية الناس وأهل المدينة قاطبة مثلما نرى في الحضارة الإسلامية مثلا في مدننا العربية في مصر والشام والمغرب العربي كله. الباب استحوذ على تفكير الناس ومخزونهم الثقافي وطقسهم الاجتماعي أي إنه ارتبط بعادات الناس وقيمهم أيام الجاهلية مثلا كانت البادية هي مسكن الناس والخيمة هي مأوى النوم وحماية الأهل عن أعين الناس. وإذا جن الليل كان الأعرابي الكريم يقدح النار ليصل إليه المحتاج كي يكرمه ويأويه،
رم از للعطاء والكرم. فالمقصود أن الباب المفتوح رمز لعطاء صاحب الدار وكرمه، وأن قيم هذه الفئة من الناس وسلوكها وعرفها أنها تتصف بالكرم والسخاء وتلبية حاجات الناس وأن الله لن يخيب رجاءهم أيضا وسيظلون كرماء والله معطيهم الخير والرزق ليواصلوا هذا الكرم وذاك العطاء. ومن زاوية أخرى يرى بعضهم أن هذا الفتح يكشف عن سلوك غير سوي حيث إنه يكشف عن المستور والمخبوء، وأن هذا ربما نقيصة مذمومة فهي تجعل أصحاب الداخل مكشوفين للخارج، وأن الفتح هنا فضح واستهتار بالقيم لمن هم في الداخل في أن يكونوا مكشوفين للآخرين أو لغير المخولين بالاطلاع، ويطلقون عليهم المثل «الباب المفتوح مفضوح». كما يكشف الباب عن حالات الغضب والشجار بين أهل الدار وبعضهم أو أهل الدارومن يتعاملون معهم في الداخل، فيكون الباب عنوانا للطرد وإعلان حالة الشجار القصوى ويطلقون المثل، «الباب يفوّّت جمل»، وهو دليل على عدم الرضا عن وجود الشخص الذي يتم التنازع معه أي إن الباب أصبح هنا وسيلة للطرد وعدم القبول بوجوده. وفي إحدى الإشارات لصاحب الباب الذي يصادف أن يكون غير قادر ماديا على إصلاح بابه أو وضع باب جيد، وكما سبق أن أوضحنا سابقا أن الباب يكشف عن وجاهة صاحبه وقدرته ماديا واجتماعيا ًً.. ولكن حين يطلق المثل «باب النجار مخلع»، فهوإقرارأيضا بأن صاحب المهنة كسول وغيرقادرمعنويا على إصلاح بابه إمعانا في كسله وعدم اهتمامه ببيته، وربما يدل على انشغاله في عمله وفي إصلاح أبواب الآخرين. هذه الأمثلة وغيرها تكشف عن الوعي الشعبي وقيم الناس وسلوكهم الاجتماعي من خلال أمثلة تطلق على الأبواب تعبر عن هذه الحالات الاجتماعية والثقافية، وذلك لأن الأبواب لصيقة بحياة الناس ولها أهمية قصوى في مشوارالحياة الآمنة المطمئنة، وأن الباب له دورمهم فهو الذي يكشف عن سلوكنا وحيواتنا وحضارتنا ويعكس ما فيها، فارتبط الباب بالسلوك والقيم والعادات، ولذا لم تهمله الذاكرة ولا الموروث الشعبي من خلال الأمثلة الكاشفة عن تلك القيم والعادات
الاجتماعية والأمان المجتمعي الذي يهيمن على عموم المكان لأنه لا خوف من الآخرين وأن الباب الذي لا يرد أحدا يعني الرضا والقناعة والأمان والتواصل الشفيف بين المجموع.. هذه السلوكيات الاجتماعية والثقافية التي تفضحها وضعية الباب الكاشفة عن القيم الإنسانية الحاكمة للجماعة في الحي أو القرية أو المدينة أي إن الباب ينبئ عن سلوك الناس وعاداتهم ومعتقداتهم، ولذلك حمل الموروث الشعبي والذاكرة الجمعية ومن خلال الأمثال إحدى أهم أدوات هذه الذاكرة في الحفظ لبعض هذه السلوكيات من خلال علاقتهم بالباب ونظرتهم الفكرية والفلسفية والاجتماعية التي تكشف بوضوح تام عن القيم والعادات، ومن هذه الأمثال مثلا التي تكشف عن أهمية غلق الباب على المكان أو الدار التي يحميها وكذلك عن نظرة بعض الناس من الناحيتين الاجتماعية والثقافية لهذا الغلق. فهناك مثل يقول: «باب مردود شر مطرود». أو برؤية أخرى: «الباب المقفول يرد القضا المستعجل»، وبالتأكيد هذا المثل موجود بصيغ أخرى في عموم البلدان العربية، ووفقا للهجة المنطوقة.. ويعني المثل أن هذا الإغلاق يقي من الشرور ومن الأمورغيرالمتوقعة كأن يدخل حيوان أووحش مثلا أوريح قوية أو أتربة أو حتى بشرغيرمطلوبين للدخول المفاجئ، بمعنى أنه كلما كان الباب مغلقا كان الوضع أكثر أمانا واطمئنانا من أي شرور غير متوقعة وليست على البال، وهذا يعني في اليقين الجمعي وفي الثقافة الاجتماعية الحذروالخوف، وأن الطمأنينة لن تأتي إلا بالإغلاق، هذا الحذر المطلوب يؤكده مثل آخر في سياق موضوع إغلاق الباب ولكنه بزاوية أخرى وللغرض نفسه، «الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح»، هنا الحض على الإغلاق إذا كان فتح الباب يسبب لك أي إشكاليات مع الخارج.. مع الناس مع المحيط والريح، هنا بالتأكيد رمز للإشكاليات المادية والمعنوية.. لأن الريح هنا تمثيل لبعض الأمور المعنوية وحتى المادية التي يريد صاحب المكان أن يتقيـها فإنه يغلق بابه للاتقاء والمنع ولرد هذه الإشكاليات المتعددة المعنوية والمادية وفي رؤية معاكسة للإغلاق هناك بعضهم الذي يرى في فتح الباب تواصلا وكرما ورماز للعطاء والإغداق مشابه لموضوع النار في المراحل المبكرة للتطور الإنساني لما كانت
عبد الفتاح صبري روائي وناقد مصري
كانت النار علامة على الكرم وبابا للمكان المفتوح يلجأ إليه من يريد أن يلوذ إلى مكان آمن.. الآن لما أصبحت هناك دار ولها باب فإن أهل الدار الكرماء مثلا لا يغلقون الباب ليكون مدخلا ميسار وسهلا لأصحاب الحاجات، هنا ارتبط الباب بقيم الناس وبشعيرة الكرم وسلوك صاحب الدار الذي يريد أن يقدم المساعدة للمحتاج دون عنت أو ذل السؤال لفتح الباب أولا ثم الدخول، كما تكشف العلاقة بين الباب والإنسان عن قيم هذا الإنسان وسلوكه وعاداته، فإن كان من الوجهاء والأغنياء وأصحاب الجاه أو متنفذا فالباب يكون كبيار يعكس مكانة صاحبه، وإذا كان الباب بابا للحكم فإن الباب هنا يكون فخما ومزينا برموز وتشكيلات ورسومات فنية وبابا كبيار وعاليا ومتعاليا لأنه يكشف عن مكانة اجتماعية لصاحبه. ولذا تداخلت العلاقة بين الباب وصاحبه وأصبح كاشفا عن الوضعية والمكانة الاجتماعية لهذا الصاحب وعن سلوكه في التعامل مع الآخرين أيضا ًمن خلال وضعية الباب.. أهو مغلق دائما أو مفتوح أحيانا أو مفتوح إلى الأبد (دائماًً).. إذا كان الباب مغلقا دائما فإن صاحبه رجل انطوائي يحب العزلة ولا يحب الاختلاط.. وإذا كان مفتوحا أحيانا معناه أنها أوقات يستحب فيها التواصل دون غيرها بين الداخل والخارج والعكس.. وإذا كان مفتوحا إلى الأبد فهو تعبير عن أن أهل الداخل كرماء وبابهم مفتوح دون تحفّّظ ويمتلكون الحس الاجتماعي وحب الناس والآخرين أيضا لأن بابهم مفتوح دون تحفظ.. ومن زاوية أخرى يعبّّر الباب المفتوح عن الطمأنينة
71 2024 يناير 291 / العدد
70 الباب والموروث الشعبي
Made with FlippingBook - PDF hosting