torath 291 - Jan -2024

أدب ونقد

الإمارات رعت الفنون المجسدة للقيم الإنسانية ذاكرة التسامح التاريخية في كتاب الباحث محمد وردي

العربي التي بات الميزان فيها للتقوى الناهضة على السلوك القويم والحب الموصل للعلاقة السامية مع الآخر الإلهي والإنساني والتي انتهى بها الأستاذ محمد وردي إلى ما سماه في كتابه «ثقافة الصداقة» التي يظهرفيها وجود الإنسان محكوما بمدى ح ُُسن علاقته بالآخر باعتبار أن ٍ ولا قيمة للجزء من دون �ٍّ الإنسان جزء من كل هذا الكل الذي يتأكد منه الحاجة الإنسانية ال ْْم ُُل ِِح ّّة إلى الصداقة التي تعتبرمن أقوى روافد

على البُُعد الأخلاقي في الفلسفة اليونانية أو على التقاليد الرومانية والفرعونية؛ كما لم يعد يسعفه اعتماده في الخطاب العربي قبل الإسلام وبعده بسبب إحالاته إلى روادع موكلة إلى غائب أو سلطة مؤجلة فبقيت في الإطار الوعظي دون الخوض في ثقافة التسامح وتطوير مفاهيمه وهو ما يفتح باب البحث على ضرورة تجديد الخطاب الديني نفسه الذي لا بد من أن يقوم على أفق معرفي يتجسد من خلاله جوهر

أحمد حسين حميدان مما لا شك فيه أن سائرالفنون الإبداعية وفي مقدمتها الكلمة الراصدة لقيم الحياة، تلعب دو ار مهما في إزكاء روح التواصل والتعايش بين سائرالشعوب؛ ودولة الإمارات العربية المتحدة منذ البدء قام تكوينها على هذا التواصل والتعايش، ونسيجها الاجتماعي الذي تضافرونشأ على أرضها من مختلف الجنسيات الإنسانية، يبرهن بشكل حاسم على هذا التعايش الذي لم تبتعد الكلمة البحثية والمبدعة عن نقل هذا العيش وتجسيده، وتأتي المعاني السامية التي أطلقها الشاعر عارف الشيخ عبدالله الحسن في التعبير عنه عبر متن النشيد الوطني تجسيدا مبك ار لصورته النبيلة، إضافة إلى العديد من القصائد والقصص والأبحاث التي أسهمت في هذا التجسيد، ويأتي كتاب الباحث محمد وردي (من أين ندخل إلى التسامح) الذي صدر له في (أبوظبي) عن دار (هماليل) للطباعة والنشر ضمن هذا السياق الذي سعى من خلاله إلى رسم أفق وبوابة هذا التسامح المؤدي إلى التعايش المشترك الذي قدمت له دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجا زاهيا وبليغا عنه في عالم معاصر تعلو فيه أصوات الضغائن والصراعات بعدما أضحى فيه خارج هذا التسامح الذي ينبغي أخذه من الفضاء الشعاراتي وإعادة الاعتبار له بتحويله إلى سلوك حياتي ومن أجل ذلك قام بتناوله ضمن ثمانية فصول محاولا من خلالها التحدث عن التسامح على نحو تنويري للإحاطة بحقائقه وبوجوهه المتعددة التي يبلغ من خلالها الإنسان سمة الأنوار التي تخلصه من قصوره، حسب تعبير كانط، التي تجعل عقله يتحكم في الواقع ويحكمه كما ترى الفلسفة الحديثة، ورصدا لسيرة التسامح التاريخية يمضي الأستاذ محمد وردي في إصداره إلى إبرازصوره عند العرب قبل الإسلام وبعده حيث تدرج من الأخوة البيولوجية إلى الإقرار بمدنية الطابع الإنساني واجتماعيته كما يعب ّّـر ابن مسكويه وابن خلدون وصولا إلى أخوة العصبية القبلية ومن ثم الأخوة الإنسانية الدينية وينتقل الأستاذ الوردي بعد ذلك إلى رصد حال التسامح في فرنسا الذي أخذ يبرزمع بداية عصرالنهضة بعدما بلغ إليها صدى الأنسانويين الإصلاحيين الذين أعلنوا رفضهم للاضطهاد الديني وصار لهم أنصا ار وأتباعا وجمعيات ضمن المجتمع الفرنسي في حين أن التسامح بدا مختلفا في إنكلترا وأخذ طابعا علمانيا جراء بينما تأخرت الدعوة إليه فترة أطول في إسبانيا 1951 - 1942 الحروب الأهلية التي وقعت بين البريطانيين أنفسهم بين عامي بسبب محاكم التفتيش التي سادت فيها فترة ليست بالقصيرة.

التسامح لأن الفضيلة في الإنسان تظهر من خلال التعامل مع الآخرين كما يعبر ابن مسكويه؛ وحتى تتحقق ثقافة الصداقة والحب، يجب أن تصبح ركنا أساسيا في سلم القيم ويحدد الكاتب الوردي منابتها بالاعتماد على رؤية سماحة الشيخ ابن بيه الذي يرى أن منبع القيم السامية تعود أصوله إلى صفات الله وأخلاق الرسول والأوامر والنواهي التي جاءت في القرآن الكريم الذي يتبلور الحب من خلاله أفقيا وعموديا ويبدأ من حب الله لعباده، وحب العباد لله والرسول، وحب الناس لبعضهم بعضا وفي ذلك كله يجب أن يُُتْْرََك للعقل يقين الاعتقاد، كما يؤكد سماحة الشيخ ابن بيه في خلاصة رؤياه التي انطلق من فحوى مقاصدها الأستاذ محمد وردي مطالبا في خواتيم أبحاثه بضرورة استعادة العقل العربي الذي رزح في دوامة النقل والتكرار وأخذه إلى ميدان العلم الذي يبلغ به الآفاق المعرفية الجديدة معتب ار في سياق ذلك العلم الوجه الثاني للعقل ولا يتحقق أحدهما من دون الآخر فلا تكتشف أسرارالعلم من دون إعمال العقل ولا ت ُُدرََك ج ُُل معطيات العلم ومراميه من دون العقل المبني على المعرفة التي لن تكون إلا بالرعاية والتنشئة الأولى للشخصية الإنسانية التي يطالب الأستاذ الوردي من أجل بنائها معرفيا بالعودة إلى مرحلة ما قبل المناهج المدرسية إلى الطفولة الأولى وإلى الإعداد الأُُسري من قبل باعتبارها الفضاء الأول الذي يجب أن يكون مؤهلا لرعاية الشخصية الطفلية منذ تكوينها الأول يضاف إليها رعاية الدولة بمؤسساتها العلمية لهذه الشخصية وبذلك تكون المعرفة بوابة دخولها إلى التسامح والانتقال به من شعارالقول إلى الممارسة السلوكية التي جعلها الأستاذ محمد وردي مدخلا حقيقيا إلى التسامح على امتداد إصداره الجديد كاتب وأديب من سوريا

الأنسنة التي هي خيارنا وليست قدرنا، كما يرى الكاتب محمد وردي الذي يؤكد بأن التطور البشري يصاحبه تطور معرفي يدفع بالإنسان المفكر إلى مراجعة ما أنتجه العقل طوال قرون من الزمن ويتم ذلك منه كواجب ديني أخلاقي وفلسفي معرفي أيضا يصل به إلى الجسور الممدودة بين سائر البشرية التي يطالب الأستاذ الوردي من خلالها إلى المضي في تأسيس مقاربات يتبلور عبرها مفهوم جديد إلى ثقافة التسامح التي تنتج وعيا جديدا يُُفضي إلى سلوك جمعي يسمو فيه التسامح قولا وعملاًً؛ وهذه المقاربات التي دعا إليها الأستاذ الوردي في إصداره السائل فيه من أين يكون الدخول إلى التسامح يقدم لها أسسا يتم من خلالها هذا الدخول إليه والذي يتم بتطوير خطابها الداعي إليه عبر مستويات عدة من أهمها: تطوير العقل بترسيخ ملكة النقد، وتجاوز الموروث غير الأخلاقي، وإجادة الحوار مع الآخر، وبناء الشخصية المستقلة القادرة على التحرر من أخطاء السائد الجمعي؛ إضافة إلى ضرورة العمل المؤسسي على تفكيك البنية الاجتماعية المغلقة القائمة على التعصب وبناء بنية ذهنية مفتوحة على قبول الآخر ومحبته، والعمل على غرس قيم ثقافة الجمال المبنية على هندسة الإنسان والوجود من خلال العلوم الإنسانية. واستند الكاتب الوردي في دعوته هذه إلى ما دعا إليه من قبل المفكر الجزائري مالك بنبي في كتابه «شروط الحضارة» الذي أكد فيه أن الصورة القبيحة لا يمكن لها أن توحي بالخيال الجميل؛ كما استند الأستاذ الوردي إلى ما قام به الرسول الكريم عليه السلام من نشر لثقافة الحب التي بدأت قبل الدعوة النبوية بتأسيس حلف الفضول وبعدها بالتأكيد على ما س ُُمي «الأشهر ال ْْح ُُرم» التي ي ُُح ْْر ََم فيها القتال، والمؤاخاة التي قامت بين المهاجرين والأنصار والعربي وغير

والْْمُُلح (من أين ندخل إلى التسامح) جاعلا إياًًه عنوانا رئيسيا لكتابه ليكون مدخلا مركزيا إلى موضوعاته وقضاياه المطروحة كافة تأكيدا منه بعدم الكفاية في جعله شعا ار كلاميا مرفوعا أو مكتوبا بعبارات م ُُنََم ّّقة فلا بد من الدخول إليه والتحلّّي به على صعيد سلوك الفرد والمجموعة حتى يأخذ أبعاده الحقيقية في جوانب العلاقات الإنسانية المختلفة ويبلغ مراده في تنقية حياتنا المعاصرة من شوائبها المتعددة وللظفرفي هذا المسعى يطالب الأستاذ محمد وردي في إصداره الجديد بتجديد خطاب التسامح الذي ما عاد يسعفه اعتماده في الخطاب الأوروبي

كما يؤكد الأستاذ محمد وردي في هذا الإصدار الذي رأى من خلاله أن التسامح وإن تعاظمت الدعوات إليه وترس ّّخت أواصره أكثر من السابق وبات يحتل موقعه بين الأفراد في المجتمعات على اختلافها وصارله نسقا ثقافيا فاعلا بسبب ما جرته الحروب من قتل ودمار، إلا أنه لم يأخذ أثره في العلاقات التي تقوم بين الدول فأمست سياستها رهن المطامع الأحادية وليس المصالح المشتركة، وأصبحت مبنية على سلوك براغماتي عدواني ناهيك عن انتشارالجرائم وسط أفرادها.. عبر هذا المفترق يتجه الأستاذ الوردي إلى طرح سؤال أبحاثه المهم

85

84

2024 يناير 291 / العدد

الإمارات رعت الفنون المجسدة للقيم الإنسانية ذاكرة التسامح التاريخية في كتاب الباحث محمد وردي

Made with FlippingBook - PDF hosting