مسرح
تراث شعبي إماراتي مسرح الفرجان..
النفوذ البريطاني، ووفرة الموارد النفطية. وفي مجال إحياء التراث الثقافي غير المادي في دولة الإمارات العربية المتحدة، نشطت الحكومات المحلية والحكومة الاتحادية ممثلة بوزارة الثقافة وتنمية المجتمع، في مجال إحياء التراث والاهتمام بالموروث، فكان لمسرح الفرجان نصيب من هذا الاهتمام خاصة في إمارة الشارقة، حيث يقام له مهرجان سنويّّ، ًًا ويلقى قبولا شعبيا ملحوظا ًً، كما يبرز في كل دورة جيلا جديد من المواهب الشابة المتألقة في التأليف والإخراج والإضاءة والديكور. وفي مرور سريع على الأعمال المقدمة في مسرح الفرجان في دولة الإمارات العربية المتحدة عموما والشارقة على وجه الخصوص، نجدها تتجمّّع في ثلاثة مجالات رئيسية يمكن تجميعها كما يلي: المسرحيات الجادة بما تضمه من رسائل توعوية. المسرحيات الشبابية حيث يؤلفها ويخرجها ويجسد شخصياتها مجموعة من الشباب الواعد. المسرحيات الهزلية التي تعتمد على بعض المفارقات المضحكة الجاذبة للجمهور. وفي النظر إلى الأثر الاجتماعي الذي تتركه تلك المسرحيات نرى أنها ترسخ بعض القيم التراثية لمجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة من كرم الضيافة، واحترام كبار السن، والأزياء التراثية، واللهجة المحلية، والمأكولات الشعبية، كما أنها تطرح قضايا اجتماعية مهمة مثل: التماسك الأسري، وأثر تفككه على الوالدين والأولاد والمجتمع، والآثار السلبية لمخالفة القوانين، والكوارث الشخصية والاجتماعية للمخدرات، كما تطور مسرح الفرجان لمواكبة التطورات عن سلبيات وسائل ا � التكنولوجية، فصرنا نشاهد عروض التواصل الاجتماعي واختراق الحسابات والأمن السيبراني، وذلك على شكل مسرحيات قصيرة شائقة تعطي الجمهور رسائل توعوية تسهم في النضوج والوعي لكل أفراد المجتمع. ويمكننا في نظرة سريعة تسجيل بضع ملحوظات حول الأعمال المسرحية التي يقدمها مسرح الفرجان، وتتلخص تلك الملحوظات فيما يلي: قد لا تكون مسرحا مثالياًً، إنما منصة - منصة العرض: أعد ّّت على عجالة، أو عربة متنقلة (مقطورة) يؤدي الممثلون
عبد الر ّّزاق الد ّّرباس يعتبرالمسرح واحدا من أهم الفنون الإنسانية، ولا غرابة أن يقال عنه «أبوالفنون» لأنه شامل للفنون الأخرى التي تشكل عناصرمك ّوّنة له، فهويأخذ التأليف من الك ّتّـاب والمبدعين، والإخراج من المخرجين، والأزياء من المصممين، والديكور من الفنانين والرسامين، والموسيقى المرافقة من العازفين، بالإضافة إلى الإضاءة والمكياج والإكسسوارات، فتجتمع الفنون كلها فيه، ما يجعله أبا جامعا لكل الفنون الأُُخرى. ولعل المتعة الأكبر في المسرح هو جماهيريته المتفاعلة معه، فهو حي تواصلي بين الممثلين والجمهور من خلال رسالة هي المسرحية، ومرسل هو الممثل، ومتلق هو الجمهور، وإذا كان المسرح أحد الفنون المؤثرة في المجتمع وثقافته، لدرجة قول شكسبيرعن ذلك: أعطوني مسرحا أعطكم شعبا ًً، فإن المسرح الشعبي هو الأكثر التصاقا وتأثي ار بالناس وحياتهم. ويكاد لا يخلو قطر عربي من تلك الظاهرة، ففي سوريا هناك الحكواتي والمسرح الشعبي، وفي تونس هناك المسرح الجوال، وفي العراق هناك مسرح المقاهي، وفي دولة الإمارات العربية المتحدة هناك مسرح الفرجان. والفرجان جمع فريج وهي كلمة يقصد بها الحي السكني أو الحارة الشعبية، ويكون بين أهلها تواصل وتعارف وروابط متينة، حيث يقوم الفريق المسرحي بتنفيذ عرضه في الحي بوسائل بسيطة في المكان والمقاعد وخشبة المسرح، بهدف إيصال رسالة محددة إلى الجمهور، قد تكون أخلاقية أو اجتماعية أو دينية أو توعوية، وقد تكون للترفيه والتسلية أحياناًً. وشاع مسرح الفرجان في دولة الإمارات العربية المتحدة وأقطار خليجية أخرى منذ خمسينيات القرن الماضي كتقليد لما هوشائع في العواصم العربية، التي تطورت فيها الحركة المسرحية مثل القاهرة ودمشق وبغداد في تلك الحقبة، لكنه سرعان ما تراجع بفعل التطورات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة التي شهدتها دولة الإمارات وبقية أقطار الخليج العربي، بفعل تغيّّر أنماط الحياة، والتطور الاقتصادي والاجتماعي السريع بعد استقلال تلك الدول عن
عروضهم فيها. وهم من فئة الهواة - المؤلفون والمخرجون والممثلون: المحبين للمسرح الراغبين في ممارسة هواياتهم واكتساب مهارات فنية من خلال مشاركاتهم. بسيطة ارتجالية وتخص الإضاءة والموسيقى - التجهيزات: والصوت ومقاعد الجمهور، ولكنها تؤدي دورها رغم بساطتها. دقيقة 40 - 30 تكون قصيرة تتراوح ما بين - مدة العرض: تقريبا ًً. مؤسسات رسمية محلية أو اتحادية، وأحيانا - الجهات الراعية: رجال أعمال، وأحيانا دون رعاية رسمية داعمة من أي جهة. أخرى ا � موجوداًً، وأحيان ا � يكون أحيان - التحفيز والتكريم: يكون بمستوى لا يتناسب مع الجهد المبذول من فريق العمل المشارك. قد تكون هناك مهرجانات خاصة بمسرح الفرجان - المنافسة: ومنافسات بين العروض واللجان الفنية للتحكيم، ما يجعل جودة العروض أعلى مستوى. أفرزت هذه الأعمال نخبة من الشباب والشابات الباحثين عن جهة داعمة تتبنّّى مواهبهم وتروي شغفهم للمسرح وفنونه ومهاراته. وفي هذا المجال تعتبر إمارة الشارقة سبّّاقة في اهتمامها بمسرح الفرجان من خلال مؤسسة ربع قرن لصناعة القادة والمبتكرين برئاسة الشيخة جواهربنت محمد القاسمي، ورعاية كريمة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، حفظه
الله، وذلك في مستويات الطفولة، والناشئة للبنين، وسجايا للبنات، كما يسهم المسرح الكشفي والصحراوي في أداء المهمة ذاتها أو المقاربة لها، من حيث المواصفات الفنية للعمل المسرحي ودوره التنويري للمجتمع. إن مسرح الفرجان تقليد تراثي إماراتي قديم متجدد، يوازي المقاهي الشعبية وما كانت تقدمه من متعة وتسلية لجمهورها من خلال المهرج والحكواتي بهدف الربح المادي وكسب الزبائن، ولكنه في منطقة الخليج العربي ومجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة كان تقليدا اجتماعيا يدل على الترابط العائلي والمجتمعي، والتمسك بالتراثين المادي والاجتماعي للمجتمع، ليؤدي رسالة تنويرية ومتعة ترفيهية للحضور على اختلاف مستوياتهم العمرية والتعليمية. ختاما يمكننا من خلال ظاهرة مسرح الفرجان أن نؤكد حقائق راسخة لهذا النوع من الموروث الشعبي في المسرح، وجذوره الطيبة، واستمراره رغم تبدّّل الحال وتقدم الزمن، وذلك لتحقيق أهداف نبيلة في الحفاظ على التراث الشعبي لمجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة، وتحميل هذا التراث رسائل هادفة للمجتمع، وتطويره لمواكبة المستجدات الاجتماعية والتقنية والاقتصادية فيه، وكل ذلك في قالب جاذب، لا يتجاهل حاجة الجمهور إلى الترفيه والبسمة، ما جعل الإقبال عليه دافعا لاستمراره والاهتمام به من الجهات المتخصصة والمؤسسات صاحبة الشأن في هذا المجال شاعروأديب سوري
95
94
2024 يناير 291 / العدد
مسرح الفرجان.. تراث شعبي إماراتي
Made with FlippingBook - PDF hosting