أوراق تراثية
آفاق الأمن الثقافي في أوراق تراثية
محمد نجيب قدورة تطمين موضوعي
قد نعرف الكثيرالكثيرعن أمن المعلومات في عوالم السياسة والحروب، ونحن ندرك ما مدى أهمية الحفاظ على الس ير ّّة في التخاطب العسكري أو أصول الأحاديث الدبلوماسية، لكن هل تعلم نفسي أنني أقرأ أوراقا تراثية بمعنى: أن لا دخل لي في عوالم السياسة والحروب، فلكل خبز خبازه.. قالت نفسي: أعرف أنك منهمك في استلال الشعرة من عجين الفكرة، فماذا وراءك أيها الباحث البريء؟ قلت: بل أنا في ملعب كرتي جريء، لا أخشى على لساني زلة، ولا على قلمي عثرة. لذلك أكتفي هنا بالتطمين الموضوعي. عندما حملت قلم التراث: قالت نفسي المهتمة بسلامة نواياي: هات من الآخر، قلت: حياتي الأولى ليست هي الأخيرة كما يقول كُُتّّاب السيرة الذاتية.. أجل يا نفسي تذكرين أستاذنا المتمسك بحرفية المنهاج حين قال: إن أحمد بن ماجد هو الذي دل فاسكو دي جاما إلى طريق الهند، وكيف أني وأنا ذلك الطفل في سن الثانية عشرة.. بعد رفع إصبعي كنت أعني ما أقول: عفوا أستاذي، مستحيل أن يفعل ذلك مثل أحمد بن ماجد العالم المخترع الجليل بأخلاقه وعلمه.. كان أستاذي (زهيرالغزاوي) يمازح طلابه بعبارة (يا نمس).. ولم أكن نمسا إنما وعيت درسا ظل يشغل تفكيري ويعصف بي حيث عملت مدرسا في رأس الخيمة، وجلفار موطن أحمد بن ماجد وأسود البحر، لتتحقق نبوءة الطفل حين تعرّّف على كتب أحمد بن ماجد ومحققها إبراهيم خوري الذي ساورته نفسه بالارتياب من شائعة الدلالة فاجتهد ليؤلف كتابا عن استحالتها، حاول أن يسبر غور ما قيل.. المهم كان له فضل رمي حجر في بركة.. ثم توسعت دائرة الفكرة عندما وصلت ليدي الأديب الباحث الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، فشد الرحال إلى بلاد الإسبان والبرتغال ليعود بكتابه المؤكد الموثق (بيان للمؤرخين الأماجد في براءة ابن ماجد) إصدار دار القاسمي في الشارقة، ونظ ار لأني دخلت معمعة البحث أصدرت كتابين محاولا اتباع منهج الوعي الأمني في قراءاتي للتراث فكان الأول (ملحمة ناموس جلفار) والثاني (ابن ماجد المعلم الأريب في إفهام اللبيب) كما روّّجت لهذه الفكرة في كتابي الثالث (السيرة البحرية) عندما تحدثت عن ابن ماجد وأسود البحر. وكان المحورالأساسي فيما كتبت هو كيف نأمن على أنفسنا من تزييف من الحقائق.
آفاق ضرورة الأمن الثقافي: لم يكن حديثي عن تجربتي تزكية لنفسي، لأن نفسي ذاتها قالت: لا بأس أن تسرد بالطريقة الاسترجاعية جهود علماء أمتك وأولياء أمورها في ذكائهم الاجتماعي والتاريخي وهم يسمعون أو يقرؤون أو يكتبون... قلت: أيتها الذاكرة، علم الجرح والتعديل وعلم الرجال من العلوم المخبرية في استحقاق سلامة المتون المروية التي قام عليها عصب الفكر العربي، حتى الشعر في تدوينه خضع إلى هذه المعاييرإلا ما ندرولعلك تستغربين مثلا من قول ابن خلدون في مقدمته وسواه عن هارون الرشيد (أنه كان يغزو عاما ويحج عاماًً) وأن الرشيد لم يعاقر الخمرة مع أبي نواس بل أمر بحبس أبي نواس لانهماكه في شرب الخمر حتى تاب، ثم يا نفسي شخصية أبي نواس الشعبية في نسبة شعر أو خبر فيها ما فيها من الزيادات والانتحال.. ونحن ننكر سلوك أبي نواس ولا نزكيه في أول حياته، لكن أبا نواس كان عالما بالشعر حتى قال عنه الإمام الشافعي: (لولا مجون أبي نواس لأخذت عنه العلم) وقد وصل الخيال الشعبي أيضا إلى (جحا) بمبالغة وزيادة تختلف عن شخصيته الحقيقية، فجحا لقب لرجل يدعى (دجين بن ثابت الأنصاري وكان فقيها عبقريا خفيف الظل عاش في القرن الأول، ولا أخفي عليك يا نفسي: إن كتاب الأغاني الذي سرد سيرة كثيرين من شعرائنا كان ينقل ما هب ودب باعترافه هو أو بشهادة رجل آخر هو(أبو
الفرج الجوزي) في كتابه المنتظم في تاريخ الملوك والأمم عن الأصفهاني: (ومثله لا يوثق بروايته) ويضيف: ومن تأمل كتاب الأغاني رأى كل قبيح ومنكر. بالطبع يا نفسي أنت تعرفين شهرة ًًا كتاب الأغاني ومدى ملئه رفوف الكُُتّّاب والمؤرخين حتى غد معتمدا في سرد الأخبار التي تحوي من اللامعقول أكثر من المعقول.. ولقد رأيتني يا نفسي كيف أنني في بحثي عن جميل بثينة وأشعاره استغربت من نسبة أبيات لجميل بثينة الشاعر العذري العفيف تفوق شعر المجون أو أشعار الحب الصريح... قالت نفسي: أراك تريدنا أن نقوم بفعل ما يستدل به على آفاق الأمن الثقافي. تفعيل التحقيق في كتب التراث الثقافي: قلت لنفسي أجل، لِِم لا؟ فإذا كان الذين قبلنا اعتبروا التحقيق هو مجرد الوقوف على نسبة قول أو خط أو لفظ أو معنى فالمقصود في التحقيق الأمني لكتب التراث يجب أن يصب في إطار معرفة ما بين السطور من خلال المنطق الحكمي، كما بحث ابن خلدون وكما يعمل الوصافون المحللون في تحديد مواضع الخلل كبحث علمي في حقائق لا مجرد جمع نسخ ومقابلتها بأخرى، وإن كان مثل النوع جهدا مشكوارًً.. لكن حتى علماؤنا القدامى أمثال الجاحظ قال في كتابه «البيان والتبيين»: أبو زيد الأنصاري عالم بالرواية لا بالدراية وهذا هو مرام الأمن الثقافي الذي طبق في مثلنا العربي: لا تصدق كل
97
96
2024 يناير 291 / العدد
آفاق الأمن الثقافي في أوراق تراثية
Made with FlippingBook - PDF hosting