torath 303- Jan-2025

فنون

الأبعاد الروحية لرقصة التنورة

الراقص في رقص التنورة يقوم بالدوران حول نفسه طوال مدة العرض، ويتصاعد إيقاع الموسيقى فينفصل اللفيف . يرسم المولوية أثناء الرقصة ) 4 ( عن الأرض ويتصل بالسماء الدائرية أشكالا لها دلالاتها التي تتماهي مع حالات الوجد. أما الغناء المصاحب للرقص الدائري؛ فهو الذكر والدعاء إلى الله ومديح البني محمد، صلى الله عليه وسلم، وبعض الأناشيد والأغاني والمواويل عن موضوعات شعبية مثل الصداقة والكرم والمحبة. واعتاد العرف في رقص التنورة أن تكون هناك موسيقى صوفية مرتبطة بآلات الناي، والدف، والربابة التي تحفز الراقصين على الدوران. واعتبر الصوفيون الموسيقى سح ار جاذبا لكل صوت ونغم. ويقول جلال الدين الرومي: «... الموسيقى لم تتوقف لحظة واحدة في هذا الوجود؛ فالكل حقيقة إيقاعها الوجودي ونغماتها الكونية، وفي حال توقفت الموسيقى الكونية عن العزف، يحل العدم والظلام، فكل معزوفات الموسيقى تتجسد في الأحياء جميعهم كحقائق وجودية، وترى سريان المعنى الإلهي في الوجود...». إن رقصة التنورة في مصر لها سحر من نوع خاص مرتبط بوجود الفوانيس والألوان المزركشة سواء في التنورة أو الاضاءات الخارجية المبهجة التي تسلط على التنورة لترسم لوحة فنية وتحقق متعة بصرية أثناء العرض. الألوان في رقصة التنورة تعبّّـر عن أعلام الطرق الصوفية المختلفة، لذا تتنوع بين الأحمر والأزرق والأصفر. والجمع بين كل تلك

الألوان معا ًً، ي ُُعب ّّر عن تناغم الطرق الصوفية جميعها. ويرتدي راقص التنورة «اللفّّيف» تنورتين أو ثلاثاًً، استُُـلهمت ألوانها من الأعلام والبيارق الخاصة بالطرق الصوفية، ويصل وزن ) كيلوغرامات، أما الحزام الذي يرتديه 8 الواحدة إلى نحو ( على نصفه الأعلى فيهدف إلى شد ظهر الراقص وهو يدور، بينما يتّّسع الجلباب من الأسفل ليعطي الشكل الدائري. كلا المولوية والتنورة في شكلها الصوفي وليس الاستعراضي تعبير عن اتحاد الكون. ومن المؤسف في هذا الزمان أن الرقص الصوفي والتنورة اتجها اتجاها ترفيهيا تقدمهما فرق الفنون الشعبية في الدول العربية، وفقدتا جزءا من طابعهما الديني. وأعطى المصريون الرقص الصوفي طابعا خاص ًاً؛ حيث جعلوه استعراضيا ًً. ا � عن نكهته الصوفية، وألبسوه طابع ا � مختلف ) 5 ( بصح وسيلة للبهجة والتسلية وأ الهوامش والمصادر: . الدلالات الضوئية وأثرها على اللوحة الفنية لرقصة المولوية، د.عواطف 1 صلاح عبد العال حسن، مجلة العمارة والفنون والعلوم الإنسانية، المجلد . 291 )، ص 21 الخامس، العدد الـ ( / https://www.independentarabia.com/node/317696 ، . رقصة المولية 2 https://www.eremnews.com/ . 2024 مارس 14 . زيد قطريب، أخبار أرم، 3 entertainment/yjglhi1wrf . هذا الطقس الديني تحول في العصرالحالي إلى جملة ملاهي ومتعة للمتفرجين 4 وللسائحين وخرج عن أصوله الدينية. وهويعرض في الحفلات للكثيرمن البلدان . 2024 . فالح حنظل، شيخ المؤرخين، مقابلة، يونيو، عام 5

التنورة هي رقصة مصرية ذات أصول صوفية رقصة تعتمد على الحركة الدائرية؛ وبدأ تاريخ الرقص الصوفي بالتكايا حيث كان كل شيخ صوفي ينشئ تكية وهي مكان يعتبر مََض ََافة لأبناء السبيل والفقراء والغرباء والدراويش وداخلها تقام حلقات الذكر. ونشأ الرقص المولوي تحديدا في تركيا وانتشرفي الدول المجاورة لها، وانتشرت الرقصة المولوية في مصرفي عصرالدولة الفاطمية، أما الرقص المولوي في سوريا فقد انتشر في عهد الدولة العثمانية، التي نقلته إلى سوريا ومنطقة البلقان. وبدأت طقوس رقص المولوية في التكية المولوية أو ما يسمى (جامع الملخانة) في حلب. ويطلق على الرقص الصوفي في مصر«رقصة التنورة»، وهو نوع من أنواع ِْكْر، يكون بالدوران حول النفس والتأمل؛ بهدف الوصول � ال ِّذ إلى الكمال المنشود. ويندمج راقصوالتنورة في مشاعرروحية، ويستغرقون في وجد كامل، ثم ينفصلون عن العالم المادي في رحلة روحية تبدأ بالدوران، وتنتهي بالوصول إلى الكمال. رقصة المولوية لم تكم اللغة وحدها كافية للإنسان كي يُُعبّّر عن مشاعره وانفعالاته، فابتكر وسائل أخرى في تجسيد ما يجول في دواخله، وكان الرقص جزءا منها. وتعود رقصة المولوية إلى مؤسسها الشيخ جلال الدين الرومي وعُُرفت الرقصة باسم المولوية نسبة إليه، وهي تعتمد على الدوران، وتحريك الجسد، وإطلاق عبارات الذكر. قال جلال الدين الرومي: «لا يفنى في الله م ََن لا يعرف قوة الرقص» الرقص الصوفي عبارة عن دوران مستمر يكون بثبات القدم اليسرى التي تدور في مكانها على الكعب بينما تلتف القدم اليمنى حولها في تتابع سريع، ترمز القدم الثابتة في الفلسفة الصوفية إلى ثبات الشريعة، أما القدم المتحركة فهي ترمزإلى الدنيا. يدورالشيخ الصوفي (القائد) بحركات دائرية واسعة كأنه يدور حول مركز الكون بينما يدور الراقصون المولويون حوله فكأنهم يرمزون

نورة صابر المزروعي أكاديمية من الإمارات

. وكل حركة يقوم بها المولوي تحمل معنى، ) 1 ( إلى حركة الكون «فهو حين يدور رافعا يدا إلى أعلى، وماد ّّا الأخرى إلى الأسفل، يعبر عن التواصل بين السماء والأرض. وعندما يسرع في حركته، فهو يعبر عن شعوره بالسعادة والوصول إلى العلا، بينما يحيل وجوده وسط الراقصين المولويون، إلى حركة . «وعندما تُُوضع اليدان ) 2 ( الكواكب، في دورانها حول الشمس على الرأس تشيران إلى فصل الذهن عن القلب والبدء في العلو، أما فتح الذراعين فهي علامة على ملء الروح بالطاقة ، وذكرت المستشرقة الألمانية آن ماري ) 3 ( الكونية (نور الله) شيمل، رقصة المولوية في كتاب «الرومي ودراويش المولوية»: «العشق يعني الذوبان في الذات...(أي) إنهم يدورون حول مركز الشمس، شمس العشق الإلهي...» والغرض من رقص المولوية هو الوصول إلى أقصى درجات الصفاء الروحي. رقصة التنورة المصرية رقصة التنورة هي انعكاس للحس الإسلامي الصوفي الذي له أساس فلسفي، الحركة في الكون تبدأ من نقطة، وتنتهي عند النقطة ذاتها. تعكس التنورة تصوار فلسفيا جذوره قائمة على الطريقة المولوية التي أنشأها جلال الدين الرومي، التنورة كلمة معرََّبة من الفارسية، تسمى «الدرع الواسعة» في السريانية، وفي الإغريقية «الذي يلبس جلدا طويلاًً». نجد

111 2025 يناير 303 / العدد

110

الأبعاد الروحية لرقصة التنورة

Made with FlippingBook. PDF to flipbook with ease