torath 303- Jan-2025

سرد الذاكرة

حلم لم يكتمل

شيخه الجابري هدأة الليل وسكونه يصير للحنين وقع الخُُطى في الوئيدة نحو الطريق المزدحم بالحكايات والروايات والناس، الناس هم وقود حكاياتنا وهم قهوتها وتمرها «لخلاص» اللامع كالذهب، عند «طاسة الغسول» تتهاطل الصور، أطفال كانت شقاواتهم تخصهم وحدهم، يعرفون بأنهم مراقبون في سكناتهم وحركاتهم، ويعلمون بأنهم مؤدبون قد تم «تسنيعهم» حسب الأصول في المنازل والمساجد حتى في سكيك الحارات والفرجان، حيث الجار ي برّّي ابن جاره الذي قال له ذات ثقة «أدْْبه وسلّّم عينه». هكذا أسر أحمد إلى نفسه وهو يستعيد ذكرياته التي اعتاد أن يدوّّنها في دفتر خاص لا يعرف مكانه سواه، فقد حفظه في قلبه وروحه بكل ما يخبئ بين صفحاته وسطورها من فرح وانكسارات اختزلت في طيات الورق، يتذكر أحمد تلك الأيام بحنين وشوق يستقر في روحه وي بنش الأوجاع الخفية رغم مرور السنين، ورغم الشابين الناجحين اللذين أنجبهما، والنبت الجميلة التي سمّّاها «مريم» التي وحده يعرف سر اسمها النابت في قلبه، وسر وجعه الدفين. يعود الشاب الذي يعيش اليوم حياته الجديدة في الزمن الجديد بكل معطياته ومغرياته إلى تلك الساعة من يوم الخميس من أعوام مضت حين دلف ذات بصاح نحو«دروازة» بيت جارهم عبد الله، وراح يحتضن المقبض ببن يديه يحرّّكه برقة ثم يقرع الباب الخشبي الم ََهيب بحركة يافعة لا تخلو من شقاوة مقصودة، هو يعلم أنها تعرف أنه الطارق حينها، لذا تختبئ لتطل من وراء خوص العريش وسعف النخل الذي ش ُُيد به مجلس والدها تنظرنحوالباب لعلها تفوزبلفتة من ُه تنتظرها بلهفة المشتاق، هوابن جارهم راشد، وهي بنت الحارة الم ُُدللة الجميلة، والدها صاحب الحلال والمزارع، ووالد أحمد يعمل «بيدا ارًً» عنده.

يعلم أحمد أن هذا التعلق محكوم عليه بالفشل، وتعلم مريم أن والدها صارم وحاد، ولن يقبل بأن يكون أحمد بن جمعة نسيبًا له، ولن يقول عليها كلمة «نعم» مادام حيّّا ويتنفس الأنفة المعروفة عنه، لقد أمر والدتها ذات الحسب والنسب «حفصة» بأن تعمل على تربيتها التربية السويّّة الس ّّنعة، وأن تدربها على خدمة البيت تدريبًا يليق بابنة الرجل ذي النفوذ في منطقته وبين أفراد مجتمعه، لتصبح سيدة منزلها بعد أن ترتبط بابن عمها «جاسم» ذاك الفتى اللعوب الذي يقضي جل وقته في مطاردة الفتيات بعد أن يخرجن من خيمة المطوع «خميس» وهي تعرف أنّّها لن تستطيع تقبُُّل ابن عمها الفاتن في شكله، والفاشل في سلوكه وتصرفاته. وحده أحمد ذاك الشاب ال بنيل م ََن يأسرقلبها، أحمد يحرص على التعلّّم ويحاول التقاط الأعمال أينما وجدها قد يعمل حطّّابا يساند والده، وقد يكون معاونا لمن يريد المساعدة، وربما تراه وأنت عابر نحو الفلج يحمل ِقَِرَب الماء ليوزعها على المنازل فالعمل في السقاية أفضل من الجلوس عاطلا لا يروم على فعل شيء، هو يتيم الأم، وقلبه مفعم بالحنان والرحمة، لا يملك أحمد الكثير حتى يأتيها كل يوم بثوب جديد كما يفعل ابن عمها «الباير» كما تسميه بينها وبين نفسها، أحمد ذو اللحية «لم ْْخ ََنير ََه» أي التي تشبه الخنجر في شكلها، والذي بدأ شعورها به يكبرويتسلل في قلبها بعد أن التقيا عند خيمة المطوع «خميس» صدفة وهو يعبر نحو الفلج ليجلب الماء. مريم التي ينظر إليها أحمد بعين الإعجاب، وقلب الحب، هي تلك الفتاة ممشوقة القامة، التي تميزها عن بقية الفتيات «مشتيها عندما تسير وهي «تتغريف تغرييف» في الحارة، عيونها التي يتذكرها جيدا وهي تلمع من الفرح والسعادة كلما التفتت إليه تسحره بنظرة تخترق مسامه، وهو رغم لقاءاته القصيرة بها التي غالبًا ما تأتي صدفة لم يحدث أن تحدث معها، أو تبادلا أطراف الإعجاب، إنها مجرد نظرات خاطفة فعلت فِِعل السهام في القلوب». يلوم أحمد نفسه بعد كل هذا العمركيف فرّّط في حب ّّه الأول

والأخير رغم زواجه من ابنة عمه التي كانت «محي ّّرة» له وهم ما زالوا في المهد بعد، تماما كما حال مريم التي تم «تحييرها» من أجل ابن عمها جاسم. يتذكر أحمد كيف كان ولم «يخط شاربه بعد «يعتمر ُُ» غترته الشتوية التي اشتراها له والده من «حفيز» محمد علي الذي كان يجلب أفخم الشالات من الهند ويبيعها بالدّّين المؤجل على زبائنه الذين يثقون في بضاعته وجودتها، يذهب أحمد نحو الفلج يختلس نظرة من مريم ثم يعود إلى منزله ليتحدث إلى والده برغبته في الزواج من بنت الحسب والنسب، ويتذكر أيضا كيف نهرََه أباه ثم «حمّّر عيونه عليه» وهو في شدة الغضب، فكيف يجرؤ على التخلي عن ابنة عمّّه «وتطول عينه» على ابنة الجيران التي هي في حكم المخطوبة لابن عمها، كما هو في الوضع ذاته. شعر أحمد بغصة حارقة، وبانكسار في قلبه، لم يتفو ّّه بكلمة فهو يحترم أباه جداًً، خرج من «السبلة» والدمع في محجري

عينيه يكشفان سرّّه، فجأة توقف عقله عن التفكير في الوقت الذي تسارعت فيه نبضات قلبه، لم يكن أمام الشابين اليافعين العاشقين عن بُُعد سوى الرضوخ لرغبة العائلة والمجتمع، وفي غضون أيام زُُوج أحمد بابنة عمه ذات القلب الطيب «خصيبه»، وبعدها بشهورصارت مريم في بيت جاسم اللعوب. مضت الأيام وتغيرت الأحوال، أكمل أحمد تعليمه، وعمل في أفضل الوظائف وأنجب الأبناء، وتعلمت مريم وكب ُُر شأنها في المجتمع لكنها لم تستمرمع ابن عمها فقد افترقا بعد سنوات بصحا يافعين وعلى وشك التخرج أنجبت فيها بنتا وولداًً، أ من الجامعة، كما هم أبناء أحمد، لكنها الغص ّّة في قلبه رغم ما حقق من مستوى اجتماعي يليق بمريم التي لا تزال تقبض على أنفاسه كلما مرّّت به ذكرى، وجاءت بها على هيئة حلم لم يكتمل شاعرة وإعلامية وباحثة إماراتية

123

122

2025 يناير 303 / العدد

حلم لم يكتمل

Made with FlippingBook. PDF to flipbook with ease