torath 303- Jan-2025

التراث الإماراتـي في الدراما: حكـاية تتجدد عبر الزمـن

بعد توقفك الطويل؟ أحيانا يحتاج المرء إلى أن يعزل نفسه ليتجدد ويبدأ بقوة وثقة أكبر نحو أفكاره، وأعتقد أنه حان الأوان بأن أفصح عن عمل جديد قادم في الطريق بإذن الله، وقد انتهيت مؤخ ار من إعداده وإخراجه، وسيكون عملا تسجيليا توثيقيا لشخصية هندية مهمة أحبت الإمارات وأهلها واحتكت بالوسط الثقافي وتعلمت من نهج المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّـب الله ثراه - كل تعاليم التسامح والتعايش الإنساني، فأسهمت بكل محبة وشغف في حراسة الذاكرة وحفظ الثقافة والأدب الإماراتي في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وتكوين أرشيف ثقافي ضخم يُُسهم في تغذية الباحثين والدارسين باحثة وروائية إماراتية

ومؤكد يكمن هنا دور الناقد السينمائي.. ولكن هل يوجد • لدينا نقاد سينمائيون محليون؟ وهل هناك إجحاف نقدي بحق الدراما أو السينما المحلية؟ ِم �ِّ بلا شك أننا كمخرجين نعتبر المُُشاهد هو الناقد والمُُقي الأول للأعمال الدرامية أو التسجيلية، ولكن لا يمكن أن نغفل عن النقد الأكاديمي الموضوعي للسينما، فهو مهم جدا في تقويم الأعمال الفنية والدرامية، وغياب النقد ينشئ الفجوات والترهلات والأخطاء الجسيمة التي قد يقع فيها طاقم العمل من مخرج وممثلين وكاتب سيناريو وغيرهم، النقد السينمائي أمرتذوقي بالدرجة الأولى وقد يصيرذا فائدة ج ََم ّّة حين يكون أكاديميا ومنهجيا ينأى فيه الناقد عن المزاجيات والأهواء والمحاباة أو التقريع. أما بالنسبة إلى النقد المحلي فإن الجامعات بدأت تخرّّج الكثير من النقاد، والساحة الثقافية باتت تستنير بالنقاد الأكاديميين للأدب، ونحن مازلنا نفتقد الناقد المحلي المتخصص في السينما والمسرح والموسيقى وسائر الفنون الجمالية الإبداعية. من أي نقطة يتحرك ناصر اليعقوبي • نحو جاذبية التجسيد والإخراج؟

ولذلك عواقب وخيمة على الأبحاث التي تستقي المعلومة من السوشيال ميديا، فهي دراسات فائضة بالعشوائية وفوضى المعلومات وخلل المنهجية. ألا يمكن اعتبارتلك المشاهد البصرية التوثيقية للأحداث • والأمكنة أفلاما سينمائية قصيرة؟ لا أتفق مع هذه الرؤية، ومن وجهة نظري هذه ليست أفلاماًً، بل مقاطع سريعة لحظية الأثر، وبثوث مختلفة مكررة ومتشابهة تُُشتت المشاهد، ولا تتمتع بالأبعاد التأصيلية والامتداد التوثيقي، ونلاحظ أن بعضها يتم الاعتماد فيها بشكل كلي من بدايتها وحتى نهايتها على استعراض المكان عن طريق طائرة الدرونز، وهنا نتساءل أين هي روح المصور وإبداعاته في التقاط الصور واختيار الزوايا والتفاصيل؟ لابد من التنويع في رصد الأحداث والمََشاهد والتحرك بالكاميرا على ضوء نمو الحدث. إخراج الأفلام يعوزه الاحتكاك والتجربة الواقعية وعبور مساحات خطرة وتحدي الصعوبات، وهنا تكمن متعة العمل وحقيقته. ماذا عن الأعمال الدرامية بعد «طوي عشبة» و«حارسة • الماء» و«بعد الظنط وغيرها من الأفلام التي اشتغلت على إخراجها أو المشاركة في التمثيل فيها؟ هل من عودة إلى الدراما؟ نعم، بالتأكيد فالدراما تسك نني وأشعر دائما بأني ممثل على خشبة الحياة ومخرج للأدوار والحكايات والأحداث، غير أنني أحرص على استخلاص الأكثر تأثي ار وأصالة فكرة ومضموناًً، إذ إن المسلسلات والأفلام الدرامية المحلية بات يعوزها الدقة

في نقل الوقائع بما فيها اللهجة والعادات الاجتماعية والموروث الثقافي، بعيدا عن التزويق والتهريج وافتعال خفة الدم، فالمشاهد في عصرنا الراهن ذكي وحاذق ودقيق الملاحظة ويستشعربروحه ما هوعفوي ومنطقي وما هوخارج عن حدود التشويق والتأثير. والدراما يعوزها الكثير من التلقائية والخفة الروحية والتمكن من الأدوار والتثق ّّف بتاريخ الأمكنة وذاكرة أحداثها، والإلمام التام بلهجات المناطق والقبائل وعاداتها وطرائق عيشها وسبل تعايشها مع البيئة والأحداث، وعدم المجازفة بطرح المضامين الضعيفة أو الاستهتار في عرض الوقائع التاريخية وتزييفها للمشاهد، فالزمن كفيل بالغربلة. في نظرك كيف يمكن تحقيق التوازن بين عناصر التراث • والدراما الحديثة؟ بالتثقف أولا بعناصر التراث الخاصة بهوية المكان المراد تصويره، والتدقيق في السيناريو عبر عرضه على مدقق من أهل المكان أو المنطقة أو القبيلة الساكنة في بيئة الفيلم، أي أن يكون المدقق للسيناريو من أبناء المكان نفسه وليس من خارجه، حفاظا على المصداقية والتمكن والإتقان، كما لا نغفل عن نقل أساسيات الموروث الخاصة بالمكان، من طبيعة اللبس والمسكن وعناصر المعيشة السائدة، إذ تزخر دولة الإمارات العربية المتحدة ببيئات طبيعية مختلفة ومتفاوتة في طرائق عيشها ولهجتها وتعاطيها مع حيثيات الحداثة. ولا بد من دراسة متكاملة لمكونات الفيلم ونقد داخلي يمح ّّص العمل ويبحث في جدواه وعناصر تكامله قبل الدخول في مرحلة التجسيد والإخراج.

الفكرة هي الجاذبية الأولى، إذ تهمني الكاريزما الخاصة بالفكرة، وأدرس ًًا أبعادها، فإذا بدت تقليدية أحاول جاهد

تحويرها لتبدو استثنائية. كما تهمني الطبيعة التي تخلق العمل التسجيلي، فالمحيط الخاص بالشخصية مهم جدا ولا يمكن إغفاله أو تهميشه. نحو أي فكرة تتجه الآن؟ ومتى نرى أعمالا جديدة •

الفكرة هي الجاذبية الأولى، إذ تهمني الكاريزما الخاصة بالفكرة، وأدرس أبعادها، فإذا بدت تقليدية أحاول جاهدا تحويرها لتبدو استثنائية. كما تهمني الطبيعة التي تخلق العمل التسجيلي، فالمحيط الخاص بالشخصية مهم جدا ولا يمكن إغفاله أو تهميشه

47

46

2025 يناير 303 / العدد

ناصر اليعقوبي: الأفلام التسجيلية أرشيف سينمائي ومرجع للباحثين

Made with FlippingBook. PDF to flipbook with ease