التراث الإماراتـي في الدراما: حكـاية تتجدد عبر الزمـن
تعكس حرفية الواقع المستدعى، وإنما تلتقط بعين صانعي العمل مشاهد ذات مغزى يراد من تسليط الضوء عليها تقديم غايات الإبداع ورسائله. فمع التمسك بالحقائق التي لا ي بنغي، بأي حال من الأحوال وبأي مسوغ كان، أن يحيد عنها العمل الدرامي، والذي يظل مرهونا بمصداقية لا تعرف تحاملا أو تزييفا ًً، إلا أنه يجتزئ من مشاهد التاريخ ما يرتبط بغايات الاستدعاء، دون أن يكون مجرد عدسة لاقطة أو رواية بصرية ساردة للأحداث، وإنما مسارتاريخي متصل بالواقع، لأنه يرتبط بأبعاد إنسانية تشكل طبيعة المجتمع وخصائصه القيمية الثابتة على مدى تاريخ أجياله المتعاقبة، ومن ثم فإن العمل الدرامي «لا يكتفي بدور ناقل التاريخ وإنما دوره هو الغوص في الحقائق التاريخية . وإذا كانت الأعمال ) 2 ( ليستشف منها الب ُُعد الإنساني» الدرامية بشكل عام، هي محاكاة ومقاربة للواقع الإنساني، فإن التاريخ هو استدعاء لهذا الواقع وتعبيرذو دلالات إنسانية
وتشك ّّل الدراما التاريخية جزءا مهم ّّا في مشهد الفن المعاصر، يتعانق فيها التاريخ واقعا وسردا مع الفن السينمائي بكل عناصره، من سيناريو وحوار يأخذان خصوصيتهما من طبيعة المجتمع الذي يخرج النص من رََح ِِمه ويعبّّـر عنه، ومن شخصيات أدائية، رئيسية أو ثانوية، يتوزع حضورها الدرامي والبطولي وفق طبيعة الأدوار التي تصنعها الأحداث، ومن إضاءات ومؤثرات بصرية وسمعية توفر الخلفية الدرامية للمشاهد، ومن إخراج يحرك هذه العناصر كلها وفق رؤيته الفنية، وفي كل عنصر من تلك العناصر يكمن إبداع فني له نصاعة الدراما أدواته الخاصة التي تتكامل جميعها في تشك ّّل الدراما التاريخية جزءا مهم ّّا في مشهد الفن المعاصر، يتعانق فيها التاريخ واقعا وسردا مع الفن السينمائي بكل عناصره، من سيناريو وحوار يأخذان خصوصيتهما من طبيعة المجتمع الذي يخرج النص من رََح ِِمه ويعبّّـر عنه
التاريخية، كي يقدم للمتلقي عملا يتوفر فيه الإقناع والإمتاع، ويتجسد في روحه صدق الرسالة، وعمق المغزى، بتداخل وتمازج يتشكل منه العمل بصورة متكاملة ومتراكبة ومتجانسة، «فكل الفنون منفتحة بعضها على بعض، تتداخل أو تتفاعل أو تتعانق أو تتماوج، أو تؤثر، أو تتأثر فيما بينها، ويبقى . ) 1 ( لكل ما يميزه عن الآخر من تأثير» نصاعة العمل هذه الأدوات التي تجتمع في
عــــادل نيـــل الفن، وفق اعتبارات ومعايير موضوعية وإبداعية، جزءا مهم ّّا من الموجهات السلوكية للأفراد وصناعة وعي يمثل المجتمعات، فالفنون على اختلاف أشكالها تخرج من ذات مبدعها إلى ذوات أخرى، وبقدرالصدق تصل رسائلها، حين تعب ّّر عن أصفى لحظات الإنسان الذي تعتمل خيالاته وإدراكاته في تشكيل معنى من معاني الحياة من خلال أدوات الإبداع الفني، فترسمه في لوحة، أوتتغنى به في ألحان موسيقية، أوينتظم معناه في بناء شعري، أويتحرك مع أحداث وشخصيات روائية، أو يتجسد في عمل درامي، وهو في ذلك كله يتجاوز الأبعاد الجمالية للفن، ليستثير المشاعر، ويحف ّّز الأفكار، ويستقر في الوجدان الجمعي، مكو ّّنا الرؤية التي يصنعها الخطاب الثقافي الواعي بأثر الفن. من الفن إلى التثقيف الدراما التاريخية
التاريخي، وتتعمق معها تلك العلاقة النشطة بين أجزائه ومكوناته، من أمكنة وأزمنة وشخصيات وأحداث، ليست لمجرد استدعاء مشاهد من التاريخ أمام المتلقي، وإنما هي
إسقاطات وقيم مجتمعية وحضارية تحمل رسالة الفن بخطاب ثقافي، إذ إن الدراما التاريخية لا
55 2025 يناير 303 / العدد
54 الدراما التاريخية من الفن إلى التثقيف
Made with FlippingBook. PDF to flipbook with ease