إضاءة
ذكريات أو ربما ذاكرة الباب
أجزاء الحديد الصدئة التي تطل بوهن السنين وحراشف الصدأ الذي يعلوها عنوانا بائسا لاحتضارها الأكيد حاملة على عاتقها رواية وشهادة لمئات السنين التي مرّّت حولها وحول سبرها الباب الذي تمتطيه في محاولة للدعم والمساندة، ومعاندة تصاريف الزمن من أجل الحفاظ على هيبة الباب وشكله الذي تداعى على نفسه من فعل الزمن وتصاريفه. المنتصب أمامي ما زال مغلق فوهة المكان، وإن كان بمعاناة كي يغلق على فراغ الداخل وعلى خواء الدار التي غادرها أهلها من عشرات السنين، فيعبس لأنه شاهد بلا سؤال وقائم بلا حوار، تتسلل موجات الحزن إلى أوداجه ومفصلاته وألواحه ودسره، وتتسرب منه كآبة الروح العطشى للفرح الذي كان مع بشركانوا هنا ملء السمع والقلب والمكان.. الباب الذي يشعر بالشيخوخة تنخره وتفكك أوصاله للعزلة التي يحياها بلا ناس وبلا أهل وبلا أنفاس كانت تسبغ المكان بالدفء الإنساني، والتواصل الحميم وثرثرات الجدات وأصوات الرجال و بصاح الطيور وثغاء الأغنام وبراءة الأطفال وأغانيهم، يبكي حظه بصح حارسا لخواء ولا ويندب تاريخه الآني وراهنه الكريه، لأنه أ دفء بشر ولا أناس يعبرون للداخل، أو يطلعون إلى الخارج، فتأخذه الوحشة ويشرد به الحال إلى متاهات الوحدة والعزلة والبهوت. الباب الخائف الخجول الذي يكاد يتهادى ليس مجرد باب على م نبى من فرط معاندته للزمن، يكاد هو الآخر يتهالك على نفسه.. بل هو باب للتاريخ.. وباب لقرون ربما من حراك وموار وبشر مرو ّّا من هنا، وباب لوجدان أمة رسمت حياتها وتاريخها أمام عينه، تاريخ من مجتمع كان مكتنار بالأنفاس والآمال والأماني، باب اعتلى سدة المكان ليكون شاهدا على مجتمع وتاريخ ومعارك وأفراح وأهازيج ومواسم من حصاد وأمطار وعرق، ربما شاهد ما هو أكثر من زحام الحياة المكتنزة بكل المترادفات والمتعاكسات. الباب المتداعي على نفسه وذاته، ويحمل على ألواحه ومدامكه عقودا طويلة ومتعددة من زمن مملوء بالحوادث والخطوب والشخوص والأفراح والأحزان العامة والخاصة، الباب الذي ٍ وجزر �ٍّ عاش ورأى تبدلات الحياة ومكتنزاتها وحيواتها بين مد
وصعود وهبوط، جاء إلى لحظة الشيخوخة العتيقة التي جردته من ألوانه الزاهية وحركته السلسة المنسابة بدفء بصح يئن من وجع العزلة وفيوض التواصل مع العابرين، أ البهوت وقلق المشاعر، بعد أن تحول إلى مجرد شكل متداع في متحف يطل عليه آخرون ربما بلا مشاعر وبلا تواصل معه ذات قيمة وحيوية، ويضيفون إليه المسرة أو حيوات وجوده كأداة لها نفع في العبور والخروج، المكان برمته تحول إلى متحف يأتيه بعضهم ليتذكروا فقط ما كان، ويتخيلوا كيف كانت الحياة آنذاك، ولكنهم بالنسبة لهذا الباب الذي يندب حظه لا يشكلون له سوى أنهم عين مشاهديه لن يروق لهم منظره في وضعه المتهالك، ولن يعودوا إليه مرة أخرى ليقيموا شعائر من مودة أو حتى غضب لباب يقف الآن بالنسبة لهم كذكرى لحياة أفلت بحلوها ومرها، الباب الذي يقف بيقين العزلة وسط مكان صارموحشا لقلة الناس وابتعادهم.. الباب العتيق الذي أقف قبالته كأنه يدركني ويدرك خوائي مثله فكلانا يعيش لحظة باهتة في مدن تجردت من إنسانيتها فعافت كل قديم تليد ممتلئ بحيوات الإنسان وقيمه وسنعه الذي ظل قرونا يرسم البهجة لنفسه بهذه القيم رغم شظف الحياة وقهرالطبيعة القاسية، الباب الذي أنظرإليه في شغف وحزن بصح حائط مبكى على زمن جميل أتأمله في عزلته وأتحسر أ على مشاعر كانت وعلى أناس كانوا وعلى عشيرة وأهل فريج كانوا أو مروا من هنا، حيوات إنسانية وتعاضد بشري، وتقاليد عصية على النسيان، كان الإنسان فيه عليا وكان البشر فيه سوياًً، الحزن للجميع والفرح للجميع، والمساندة من الجميع بصر ويتآلف معي ويمنحني بعض للجميع، الباب يرمقني في أسراره، وأنه شاهد على تاريخ وأنه مفتاح لقيم ومظاهرالفريج وأهله.. وأنه كان يشكل مع الدار الذي يقف حارسا على كوتها وهجا للمكان وأهله، وأنه كان حارسا لدار امتلأت بألق أهله نصاعة الحياة مع الآخرين بلا موانع أو وعزمهم ودورهم في تكب ّـّر، الباب يفتح لي خزائن أسرار القيم التي كانت سائدة في المكان، وكيف كان التراحم والتواد بين الناس الذين كانوا يعيشون في المكان حامدين ذاكرين الله متساندين ومتوادين بينهم، ولذلك كان الخير والبركة والأمان والطمأنينة
الصدفة إليه.. وجها لوجه أقف قبالة باب قادتني عتيق.. هذا أقل ما يوصف به.. اللافت للنظر هذا الشحوب الذي تكتسي به أوصاله، وهذا البؤس الذي يشع من ألواحه، بهوت اللون الداكن حد الغياب. يبدو الباب متعبًاً.. مرهقاًً.. تتساند أجزاؤه وألواحه بدسر من خشب مرهق أيضا وقطع من حديد تحاول رتقه، واختفاء التماسك في ألواحه المهترئة.. حتى هي صدئة تعاني قسوة الشمس ولهيب الرطوبة.. على مدار عمر من مئات السنين، ربما الباب المنتصب على جدر بصح متحفا لما كان، وتذكرة قديمة وبيت من الزمن البعيد أ لهذا الزمن البعيد، الباب المتعب الذي خضع لكل أشكال الترميم وأنواعه كي يكمل مشهدا متصلا ممدودا لزمن نقبض عليه في لحظاته كي نتذكر ونرى كيف كان الأولون. الباب الخجول الخائف على فتحة الم نبى القديم في منطقة الشارقة القديمة ينادي كي أتأمله أكثر، فأقترب في حماس الباحث والمنقب والشغوف، واستعرض ترى كم سنة لم تتحرك أوصاله؟ وكم فقد من عشرات البشرالذين لم يعودوا يسمعون صريره وأوجاعه وأنات مفاصله العتيدة الصدئة التي تكاد تتهاوى به؟ هل كان باب لدار؟ مََن أصحاب الدار؟ وكيف كانت حياتهم وأوضاعهم ووظائفهم؟ كم عدد البشر الذين مرقوا منه وفتحوه أو أغلقوه؟ ما هي المناسبات الاجتماعية التي كانت في هذا الدار؟ والتي كان يفسح الباب مصراعيه لدخول الوافدين القادمين لفرح أو عرس أو ظرف اجتماعي آخر، مرحين مهللين لصاحب الدارالقادم مثلا من سفرأورحلة غوص، أو من رحلة حج للديار المقدسة؟ الباب المستكين أمامي الآن في وجل يبنئني خساراته وأفراحه وشهاداته عن أصحاب المكان وأهل الدار. يحكى عن أيام خوال كانت الشمس قاهرة والبحرالخليج متسع، وقوافل من سفن تستعد للمغادرة في رحلة الغوص البعيدة .. الباب يطل على بحر الخليج، يرى الشواهد والاستعدادات،
عبد الفتاح صبري روائي وناقد مصري
وأهل الدارفي زحام وقلق للمغادرنحو مجهول اليم، ومعلومه، وهو نفسه الذي يرى بعد شهور أهل الدار نفسهم يكسوهم الشوق وانتظار العائد، ويروي في الحالتين عن مشاعر الفرح والحزن.. ودفء الاستقبال وحزن الوداع، الباب المتعب يشاهد رحلات الصيف نحو المقيظ، واستعدادات الرحلة وتزاحم الناس في الفريج نحو رحلة التوقد، ونحو الانطلاق على إبل المسير، وهوادج القوافل في دربها نحو الواحات في العين وليوا وغيرها. الباب المنهك يشتكي تعب عضلاته وقلة حركته.. وهوانه في بصح فيها غريبًا ومجرد شاهد لزمن بعيد قد المحيط الذي أ تولى، يندب ذاته ويندب فقدانه الناس الذي كانوا، ويندب حركته الدؤوبة الساعية للترحيب بالقادم والتهليل للمغادر، الباب الباهت المتآكل في نفسه يرمقني بحسرة الرائي المجبور على ما لا يريد رؤيته ويذهب للبعيد ويتذكر.. وأنا لا أدرك.. هو يدرك من أي غابة جاء من أفريقيا من أحراش آسيا، وأي حاوية حملته على ماء المحيط وحطت به في أحد الموانئ، هنا ويتذكر أكثر حين كان شجرة منتصبة يتلاعب الهواء الساخن بأوراقها، وطيور الله تسكن في أعشاشها بين ثنايا فروعه، هل ذاكرته حية، هل فعلا يذكر؟ أم يبست مثل ألواحه التي تشكو قسوة الشمس اللاهبة وحرارة الرطوبة؟ يناديني كي اقترب وأتفرس في تفاصيله الباهتة وعضلاته المفكوكة، وتناديني
73 2025 يناير 303 / العدد
72 ذكريات أو ربما ذاكرة الباب
Made with FlippingBook. PDF to flipbook with ease