torath 303- Jan-2025

فن الخط

حمزة قناوي العرب منذ القِِدم بالخط العربي، لعلها مقولة لا ينتبه الكثيرون لأهميتها ولمدى صوابِِها، فمحاولة تصوير اهتم ميراث العرب باعتبارها «أمة سمعيةًً» لم تعرف الكتابة والخط منذ عهود ضاربة في القِِدم إلى ما قبل الرسالة المحمدية بكثير، هي محاولة للتقليل من شأن هذه الأمة التي عرفت كثي ار من عظمتِِها في تاريخها، إذ كان الخط العربي موجودا منذ الجاهلية. وربما يعن لأحد أن يتساءََل عن الدليل على ذلك؟ فنجيبه بمقتطف من موسوعة الخط العربي، حيث يقول ِس وابن أخته عمروبن العبد (المعروف بطرفة بن �ِّ (محسن فتوني) فيه: «... لكن ثمة دحضا لهذا القول يتمثل بحادثة المتلم العبد) اللذين كان يحمل كل منهما صحيفة تحتوي على الأمربقتله، وتفصيل ذلك، أنهما كان في بلاط عمرو بن هند، وكانا ي ُُمن ّّيان نفسيهما بصلاته، ولما لم ينالا بغيتهما منه، هجا طرفة ابن هند ٍٍ، فأراد الأخير قتله ولكنه خشي هجاء المتلمس له. فاجتمع بهما وقال لهما: لعلكما اشتقتما إلى أهلكما، فأجاباه بالإيجاب، فكتب لهما صحيفتين وختمهما، وقال لهما: اذهبا إلى عاملي في البحرين فقد أمرته أن يصلكما بجوائز. فذهبا ومرََّا في طريقهما بشيخ يحدث ويأكل تم ارًً، فقال المتلمس: ما رأيت شيخا أحمق من هذا الشيخ. فرد الشيخ عليه: ما رأيت من حمقي؟ أخرج خبيثا وآكل طيبا وأقتل عدواًً. وإن أحمق مني من يحمل حتفه بيده وهو لا يدري. فاستراب المتلمس قوله. وطلع عليهما غلام من أهل الحيرة، فقال له المتلمس: أتقرأ يا . ) 1 ( غلام؟ قال نعم، ثم فض الصحيفة فإذا فيها: إذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيّّاًً» في سؤال الحاجة إلى تطوير نظرية جمالية لقراءة فنياته جذور النشأة .. الخط العربي والتطور والتحولات

تشير هذه الحادثة الموثقة في كثير من كتب الأدب العربي إلى وجود القراءة والكتابة والمكاتبات في الجاهلية، ووجود الخط العربي الذي كانت لا شك تُُكتََب به هذه المراسلات، وكل هذا في عصر ضارب في القِِدم، ليست فيه وسائل التطور مثل وقتنا الحالي، ومع ذلك فقد كان الخط والكتابة موجودََيْْنِِ، لكن بأي شكل ٍٍ؟ وكيف كان شكل الحرف في ذلك الوقت؟ ثمة آراء عدة في هذا الشأن، فالمصادر العربية القديمة - بحسب ما يشير الدكتور صلاح الدين المنجد - تذهب إلى افتراضات مؤداها أن الخط العََربي و ُُِضَِع مُُتأثار بالهجاء السرياني، وأنه انتقل من الأنبار إلى الحيرة ومنها إلى الحجاز بطريقة «دومة الجندل»، وأنه اقتطع من الخط «المسند الحِِميريّّ» الذي كان في اليمن ولذلك يسمى «الجزم»، لكن الدراسات المقارنة الحديثة في مجال اللغات ذهبت إلى خلاف ذلك، فقد وجدت بين الخط العربي والخط ا � كبير ا � هذه الدراسات اختلاف

السرياني والحميري، ولذلك رج ََّحت الدراسات أن يكون الخط العربي قد اشتُُق من الخط ال بنطي، والأنباط هم من العرب الذين أغاروا على البلاد الآرامية في العصر الهليني، وكانت لهم حاضرتان كبيرتان، سلع أو البتراء في الشمال، والحجر أو مدائن صالح في الجنوب، وفي وقتها كانت أماكن عامرة بالماء والأشجار، وكانت طريقا تجاريا بين مكة ويثرب والشام، وترى الدراسات أن الأنباط تأثروا بالحضارة الآرامية، وقد امتازت الكتابة ال بنطية بربط حروف الكلمة الواحدة بعضها ببعض، مع بقاء بعض الحروف القليلة لا ترتبط بما يليها مثل الدال والزاي والواو، واختلاف شكل الحرف في أول الكلمة عن وسطها عن آخرها، أما تاء التأنيث فلا تكتب بالهاء بل أمة، حبت – حبة، مثال ذلك الشكل = بالتاء المبسوطة: أمت التالي الذي نتأمل فيه الخط ال بنطي: وهذه العبارات السابقة ميلادياًً، وهو 250 من نقش نبطي مكتوب على قبر نحو عام

95 2025 يناير 303 / العدد

94 الخط العربي.. جذور النشأة والتطور والتحولات

Made with FlippingBook. PDF to flipbook with ease