كنوز الأدب العربي
تشخيص الطبيعة في الت ّّراث الش ّّعري العربي
عبد الر ّّزاق الد ّّرباس منذ القديم والشعراء لا يكتفون بواقع الحال حولََهم، بل يتجاوزون الواقع للخيال، ويتمرّّدون على الحقيقة حين لا تُُشبِِع نََهمهم، وينتقلون إلى المجاز الذي يجدون فيه ضالّّتهم من المبالغة والخيال، ومن هذا الباب نتلمّّس تشخيصهم للطبيعة بكل مكوّّناتها من النباتات والحيوانات والجمادات، ليمنحوها بعض صفات البشر، ويكّّلموها وقد ترد عليهم، وهذا ما دعاه النق ّّاد (الأنسنة) وهي اعتبار غير العاقل إنسانا له مشاعرولسان وسمع وبصروبصيرة. وفي تراثنا الأدبي نرى الكثير من الشعراء الذين طابت لهم مخاطبة الطبيعة وموجوداتها، وتخيّّلوا أنها تشاركهم فرحتهم أو حزنهم، ويبثّّون لها شكواهم من تصاريف الزمان، من خلال لغة شعرية رقيقة وبناء فنّّي متماسك يقنع القارئ في حالات كثيرة، وينقله من أجواء الغرابة والدهشة، إلى طقوس الاقتناع والتصديق والتعاطف مع الشاعر، وكأن هذا الغريب غيرالممكن صارممكنا مألوفا ًً. ونبدأ بحكاية الشاعرامرئ القيس (حندج بن ميلادية) مع الليل، وكيف أرّّقته 540 حجر الكندي المتوف ّّى سنة الهموم وطال ليله حتى ظن الشاعر أن النهار لن يأتي أبداًً، وفي تلك الحالة خاطب الشاعر الليل كخطابه لرفيقه في السفر، وطلب منه الانقضاء كي يفسح المجال ليوم جديد، ويعتبر امرؤ القيس أول من أنسن الليل ونقله من الجمود والخ ََرََس إلى ُُالمحاورة الناطقة، فقال في مطلع معلّّقته الشهيرة: ُُـدول ََــــــــــــــــــه و ََل ََـيـــــــــــــــــــــل ك ََم ََــــــــــــــــــــــوج البحـــــــــــــــــــــر أ ََرخى س ِِعلََـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي بأنـــــــــــــــــــــواع الهُُـمـــــــــــــــــــــــــــــوم لِِـيبتََـلــــــــــــــــــــــــــــي ُُـلـب ِِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه ّّـــــــــــــــــــــــى بِِص ََـط ّّـا تََـم ِِفََــقُُـلــــــــــــــــــــــت لــــــــــــــــــــــه لََـم ِِوأردف أعجــــــــــــــــــــــــــــــااز ونــــــــــــــــــــــــــــــــــاء بِِكََلكـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل ََـــــــــــــــــــــــــل ّّـويـــــــــــــــــــــــــــــل أ ََلا انج ِِأََلا أيُُّهــــــــــــــا اللّّيـــــــــــــــــــــل الط ب ِِص ُُبح و ََما الإصبــــــــــــــــــــــــــاح م ِِنــــــــــــــــــــــــــك بأمثــــــــــــــــــــــــــــــل
ِِـــــــــــــــــــــــــــــــــن أوّّاه تََــبََـــتّّــــــــــــــــــــــــــــــــل تـائـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب و ََم ََـــوط
ومن الأدب الأندلسي وتراثنا الشعري الغني في أيامه نختار ابن خفاجة الأندلسي (إبراهيم بن الفتح الهواري المولود عام هجري) مع الجبل، الذي باح له بأسراره، وما مر عليه من 450 أحداث، وعن اللصوص وقطّّاع الطرق الذين يختبئون فيه، وعن المسافرين مشاة وركباناًً، الذي يقيلون في ظلال أشجاره، وعن التائبين والمتأملين والعشاق الذين يلوذون به، فكان الجبل محاوار ناطقا وحكيما مفوّّهاًً، وليس مرتفعا من الصخور
ِِوََكــــــــــــم مََــــــــــــــــــــــر بــــــــــــــــــــــــــــي مِِن مُُدلِِـــــــــــــــــــج وََمُُـــــــــــــــــــــؤوّّب ٍٍ!
ٍ وراك ِِـــــــــــــــــــــــــب �ٍّ ِِـــــــــــــــــــــــــــــي وََقــــــــــــــــــــــــــــال بِِظـلّّـــــــــــــــــــــي مِِن مََـط ويبث الشاعر أبو فراس الحمداني (الحارث بن سعيد التغلبي هجرية) الحمامة أحزانه وشكواه، حين 320 المولود سنة رآها على غصنها الميّّال ودعاها لتشاركه همومه، وتخيّّل أنها متعاطفة معه وتبكي لبكائه، مستغربا بكاءها وهي طليقة وهو الأسير المسجون، معترفا أنه أحق منها بالبكاء لكن كبرياءََه يمنعه من ذرف الدموع فيقول مخاطبا الحمامة كأنها امرأة وفي ّّة تستمع، خالعا عليها من صفات البشر السمع والبصر والفؤاد والإحساس والتعاطف الإنساني: ََـمامــــــــــــــــــــــة ٌٌ: ََـــــــــــــــت ب ِِق ُُـربي ح أقـول و ََقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد ناح ََـارتـــــــــــــــــــــا هـــــــــــــــــــــل ت ََشـعريـــــــــــــــــــــن ب ِِحـالـــــــــــــــــــــــــــــــي؟ أََيا ج
الصمّّاء، يقول ابن خفاجة الأندلسي عن الجبل: ِِوََقـــــــــــــــــــــــــــــــــــــور علـــــــــــــــى ظـهــــــــــــــــــــــر الـفــــــــــــــــــــــلاة كأنّّـــــــــــــــــــــــــه
ِِــــــــــــــــــــــــــــر في العواقــــــــــــــــــــــــــــب ٌٌطوال الل ّّيالـــــــــــــــــــــي م ُُفك
ِِأََص ََخـــــــــــــــــــــت إليـــــــــــــــــــــه وهو أخـــــــــــــــــــــرس صامــــــــــــــت
ُُّـــــــــــــــــــــــــــــرى بالعََـجـائـــــــــــــــــــــــــــــب ََـد ّّثنــــــــــــــي ليـــــــــــــــل الس ٍٍف ََح
ََــــــــــأ قـاتـــــــــــــــل ِِو ََقـــــــــــــــــــــال ََ: ألا ك ََـــــــــــــــــــــــــــــم ك ُُــــــــــــــــــــــنـت م ََلج
103
102
2024 ديسمبر 302 / العدد
تشخيص الطبيعة في التّّراث الش ّّعري العربي
Made with FlippingBook - Online catalogs