دراسات إماراتية
الناقة في وجدان الشاعر الإماراتي واستدعاء الذكريات أنسنة الصفات..
عـادل نيـل من المظاهر التي لازمت الحضارة العربية على امتدادها، أن أبناءها ارتبطوا بشكل عميق بمفردات أصالتها، حتى مع تفاوت الاهتمام من بيئة إلى أخرى بأي من تلك المظاهر، ولكنه يبقى اهتماما حاض ار لا يغيب عن ظل تلك الحضارة، ومن هذه المظاهرما نراه بوضوح في اهتمام أهل البادية والمنتمين إليها بالناقة، بوصفها رم از لقوتهم، ومعنى من معاني هويتهم، وعنوانا من عناوين أصالتهم، ليس باعتباربيئي أو جغرافي، وإنما باعتبارقيمي يرتبط بذلك النسق الثقافي الذي يحمل قيما وعادات وتقاليد مجتمعية لها خصوصيتها. ومنذ عصور الشعر الأولى تغنى الشاعر العربي بناقته، لارتباطه العميق بها، فهي جزء من رحلته بين فيافي الصحراء التي يقطعها في وحشة اغتراب التّّرح ُُّل، ومخاطر التيه في بيداء قاحلة، فتكون أنسا وصحبة في وحشة الطريق، وطرفا في الحديث عن المحبوبة وذكريات الديار؛ ولذلك رأى فيها جزءا من تكوينه النفسي، ورأى فيها كذلك جزءا من تكوينه الإبداعي، ففضلا عن تغنيه بها ووصفه الذي يعكس تعلقه الشديد بها، فقد شكّّلت حضوار بيانيا في قصائده، إذ إن «استعارة الناقة والجمل هي أبرز أنواع الاستعارة في العصر الجاهلي وأهمها، وذلك لما للناقة من دور في حياة البدوي، ، وهوارتباط في الحقيقة ) 1( والذي يلفت النظرهوالربط بين الناقة وما يتعلق بها وبين الحرب والسحاب والليل والشمس» يعكس تعلق الشاعر وانتماءه لمفردات تلك البيئة في التعبير عن ذاته.
ويأتي احتفاء دولة الإمارات العربية المتحدة واعتزازها بهذا الموروث العربي امتدادا لمكوّّن إرثي أصيل، يحظى بحضور اجتماعي وإبداعي لافت للانتباه، فأقيمت له المهرجانات الثقافية، وعقدت لأجله المسابقات، ولم تتخل الإمارات في حاضرها عمّّا شكّّل وجها من وجوه ماضيها، على الرغم من النهضة العمرانية والحضارية التي تختلف معها بطبيعة الحال العديد من مظاهر الحياة، ولكن ظل هذا الاهتمام م ُُعب اّّر عن جوهر الإماراتي في إعلاء مفردات هويته. ومن بين القصائد الإماراتية التي تغنت بالناقة، نتوقف عند قصيدة (عرجة) للدكتور مانع سعيد العتيبة، وهي اسم ناقته التي أهداها إليه والده، منذ كان طفلاًً، وقد تشكل في هذه القصيدة التي بلغت ثلاثة وعشرين بيتاًً، العديد من المعاني التي تستدعي معها حكايا الماضي وإرثه المشتق من طبيعة بيئته البدوية، ولذلك استهل قصيدته بالحديث عن آثارأقدامه
على رمال تلك الصحراء التي تحتفظ معها بذكريات طفولة لم تفنها ريح الزمان التي تعاقبت عليه، فيروح يغالب أدمعه في : ) 2 (ًً ِِحنينه إلى ماضيه، قائلا آثــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــار أقدامِِـــــــــــــــــــــــــــــــــــي علــــــــــى الكثبـــــــــــــــــــــــــــــــــان لم ت ُُفن ْْهـــــــــــــــــــــــــــــــــا ريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الزمــــــــــــــــــان الفان ِِــــــــــــــــــــي فـــــــــــإذا مررت بهـــــــــــــــــــا استعـــــــــــــــــــــــــــــــــد ْْت ط ُُفولتـــــــــــي ََّـــــــــــــــــــــــــــــــــو ْْق فـــــــــــي شر ْْيانـــــــــــــــــــــــــــــــــي ًًوجََرََت دمـــــــــــاء الش ويُُعيـــــــــــــــــــــــــــــــــد لــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي صمْْـــــــــــــــــــــــــــــــــت حكايـــــــــــــــــــــــــــــــــة فيهـــــــــــــــــــــــــا جميـــــــــــــــــــــــــــــــل دلائـــــــــــــــــــــــــــــــــل و ََم ََع ََانــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي يربط الشاعر بين استدعاء الماضي وتجسيد ملامح المكان والمعاني القيمية التي ينتمي إليها وجدانه، إذ يفوح مع عطر هذه الذكريات حنين يسري في أوصاله إلى مراتع الطفولة وشقاوة الصبيان، فإذا بقلبه يتفتح على أول الدنيا في عينيه، موطنه الذي تشكّّلت صورته الأولى في مجتمع ما قبل النهضة
111 2024 ديسمبر 302 / العدد
110 الناقة في وجدان الشاعر الإماراتي أنسنة الصفات.. واستدعاء الذكريات
Made with FlippingBook - Online catalogs