torath 302- Dec - 2024

إضاءة

الباب والخوف

الباب هنا يعني إغلاقه إتقاء عبودية جديدة تستشري في المجتمعات كافة، باحثة عن أي شيء تتاجر فيه تبتاعه وتشتريه ولو كان إنسانا ًً، وكأننا عدنا إلى تجارة الرقيق القديمة التي كانت تقوم على الخطف واصطياد الإنسان أيضاًً، والآن تعود إلينا بصيغة جديدة ووفق معطيات التقدم التقني والطبي الذي يسمح بتبديل الأعضاء للأغنياء الذين يدفعون ولو عبر عصابات تقتل الإنسان لتسرق عضوا منه كقلبه أو عينه أو كبده، الباب نحتمي وراءه ويوفر لنا هذا الملاذ الآمن ويسبغ علينا طمأنينة لا حدود لها متمثلة في إتقاء جرائم محتملة نتقيها بإغلاقه وإحكام السيطرة عليه لردع الخوف فينا ضد من نتخيله في عصرنا الآني، فصارت العلاقة بين الباب والخوف علاقة عكسية عميقة مرتبطة بوضعية الباب ومدى قوته ومتانته في مواجهة المحتمل أوالظروف المحيطة، فإن أي تهديد محتمل يستحق أن نخاف منه، ولذلك يجب الاعتناء بالباب وتهيئته للحماية والدرع لهذا المجهول، فهو يمثل الطمأنينة والرجاء والأمل والسكينة لمن أغلقه ولاذ خلفه من احتمال سييء في الخارج. إذا الإغلاق متساوق مع حالة الخوف، فالباب المغلق سيهدئ الروع ويطمئن النفس الملتاعة المضطربة من خارج يمور بمقومات تبعث على عدم الارتياح، وكأن الركون خلف الباب الموصد هروبا إلى مساحة أكثر رضا للنفس وأكثر أمانا للخائف الباحث عن سلامة نفسه وجسده ومشاعره، هذه العلاقة التي تتمأسس بين الباب والإنسان تركن إلى سلوك إنساني ومشاعر إنسانية وممارسات إنسانية، كلها

تفكيره إلى الملاذ بالباب هذا الجماد ليحتمي في حماه، في أمانه في حضن انغلاقه الآمن، والفاصل بين حالة الترويع ودفء الطمأنينة التي منحها باب لا يعقل، باب يهيئ لنا أنه جماد صامت، ولكنه في هذه اللحظة التي تعانقت فيها الروح بالباب واستكان له الجسد إلى حاني ودافئ بمشاعر الرضا والخضوع والاستيهام، الباب الخشب يصبح أبا أو أما بدفء الروح ويهديها السكينة كونه متعلقا بشموخ الاطمئنان ويبث في ذاته بأمل الأمان والفصل بين صخب الخارج وروعه، وسكون واستكانة الدف المطمئن تحت ظلاله الوارفة بمشاعر لا يمكن تخيلها من إنسان كان م ُُروعا وملتاعا وخائفا ومرتعشا مبلولا بألم الالتياع، إلى هادئ ساكن في وداعة باب مشع بالأمل وبرجاء الحنان السابغ لطمأنينة الركون في انتظار لحظة الانفراج الكبرى وإشراقة الهدوء وبهجة السكينة في الإغلاق التي تشبه نور الرضا مثلما كانت في إشراقة الانفتاح ساعة أن يكون الخارج متسقا مع الداخل في أمانه وحنوه في الرضا المتبادل، فإغلاق الباب صنو السكينة والهدوء الهادئ. الباب في علاقته بالإنسان يمثل حالة مرنة عميقة من مشاعر متبادلة، لأن الباب يتأنسن في هذه العلاقة فكأنه أب أو أم رؤوم تحنو على أسرتها وأولادها، الباب في جدلية العلاقة مع الإنسان لجهة الخوف يتحول إلى أم حانية، ودرع وسيف أيضا كي يقف في مواجهة الآخر الشرير حتى لو كان هذا الشريرغير ملموس ومعنوي وغيرمحسوس، لأنه يوفرمساحة من طمأنينة تهدأ فيها الأعضاء ويسترخي بها الجسد الذي نعم بالأمان،

إحدى أهم السلوكيات الفطرية التي تتشكل فينا، الخوف ومع تجاربنا وشواغلنا في الحياة يكتسب الخوف كسلوك أشكالا متباينة وتتعدد مظاهره في حياتنا العامة واليومية، أفلاطون من قرون طويلة تكلم في كتابه «جمهورية أفلاطون» عن الخوف من الموت، رغم أن الموت ظاهرة طبيعية، وهذه إشارة بعيدة عن موضوع الخوف في حياتنا، في حياتنا كأفراد يتشكل الخوف من أشياء محددة أو ظاهرة معينة من واقع تجاربنا الحياتية العملية والسماعية والخيالية وما يسوقه لنا التراث الجمعي والإعلام الجمعي، ووسائل موجهة نحونا أيضاًً. منا من يخاف من ظاهرة الجن والعفاريت، أو من الحرب وأهوالها، أو من البحروما يشك ّّله من مخاطر، أو من الظلام وما يمكن أن يفاجئنا به بما لا نتوقع! وهكذا تتحدد المظاهر وفق تجارب كل شخص، وقد تحوّّل الخوف في عصرنا الحديث إلى ثقافة، ثقافة الخوف، نظ ار إلى التحوّّلات الكبرى والعميقة في المسيرة البشرية، وما تشكّّل الآن من صراع القوى الكبرى ونشوء الحروب، وتوقع حروب جديدة قد تعصف بالبشرية في ظل تقدم الآلة والتقنيات. على الصعيد الشخصي والفردي يبرز الخوف من توقع ما لا يحمد عقباه في ظل أمان ننشده ونرجوه في عزلتنا ومعيشتنا داخل حدود العمل أو السكن، الذي يمثل أمانا وطمأنينة من خوف محتمل من حدوث أي حادث بسيط قد يمثل مثلا خدش حيائنا.. أو انكشافنا للغير، أو الاحتماء من الآخرين مهما كان نوع هذا الآخر بعيدا عنا غريبا عنا أو قريبا منا ومن عشيرتنا وأهلنا، حتى هذا القريب نحن نحتمي منه أحيانا للخصوصية الشديدة في لحظة من حياتنا التي ارتضيناها في سكن آمن ومطمئن، السكن الآمن درعه الأساسي الباب، وهنا مكمن العلاقة بين الباب والخوف كسلوك إنساني. الخوف يجمعنا كبشر لنخاف حدوث شيء أو حدوث الأسوأ، فالعالم من حولنا بما فيه من بشر أصبحوا غرباء خاصة في هذه المدن التي أصبحت تعج بعشرات الجنسيات من مجتمعات مغايرة في الثقافة والقيم والدين أحيانا ًً، الأمر الذي يشك ّّل هاجسا بالخوف من الآخر، حتى في المجتمع الأصغر والمعروف، ومع اشتداد القهر الاقتصادي والإفقار، تبدّّلت الشخصية وانحرفت قيمها وأصبح الجميع

عبد الفتاح صبري روائي وناقد مصري

يميل للعزلة والانغلاق والعيش في طمأنينة خلف باب موصد. الباب اكتسب في العصر الحديث أو المعاصر وظائف سيكولوجية مرتبطة بوجدان الإنسان وقيمه، فهو في الظاهر قوة من خشب وحديد، ولكنه في الباطن مرتبط بقيم الإنسان ِر عما يعتمل في وجدان �ِّ وسلوكه من ناحية، كما أنه مُُعََب الإنسان من سلوكيات غير منظورة تترجم بالحوادث أو الوقائع المادية، فالخوف من المجهول المتربص بإنسان يعيش عزلته خلف الباب، تزداد وتيرته ليلا ًً، ويتم تأمينه أكثربمزاليج عدة أو مقترحات غيرمألوفة لإحكام رتاجاته وإقامة متانتة في مواجهة هذا المجهول المحتمل، هذا التأمين الفائق والزائد عن الحد يوفر مساحة من طمأنينة مرجوة، ويربت على خوفنا من هذا المجهول المحتمل الذي يتم توقعه في ظل فداحة الحادث في حياتنا، واكتنافها بالكثير من اللا معقول من الحوادث التي أصبحت مسوّّرة لحياتنا الحديثة. إن إغلاق الباب علينا الآن أصبح يشكل معادلة عكسية تجاه الخوف، وهو مرادف للطمأنينة في ظل جرائم حديثة غير متخيلة أوجدتها الحياة العصرية بأدواتها التقنية، أو التي أفرزت أنواعا من الجرائم غير المتوقعة وفوق التخيل. وكلها متصلة بوحشية وسلوك قيم الرأسمالية الجديدة التي لا يهمها سوى جني الأرباح والمال، ولو على حساب الإنسان المسالم الذي لا يملك سوى نفسه في عالم متصارع حول أي شيء، وعصابات دولية تتاجر في كل شيء حتى البشر يتم اصطيادهم لنزع أعضائهم وبيعها في سوق خفية دولية عبر عصابات عابرة للقارات.

تتوخى صدق التعالق مع باب من جماد من أخشاب أو حديد وما شابه، وتصبح ٍ وحب وكره وتعالق وتنافر، �ٍّ علاقات من ود أي إن الباب بفضل ممارسات الإنسان صاحب الباب، أو الإنسان بالعموم الذي يُُحدث إشكاليات وحوادث تؤدي إلى هلع الآخرين، أو إسباغ الرعب على الآخرين، أو ترويع الآخرين في مطلق الشوارع أو الساحات فيتحول الإنسان المستهدف الموجود في الجوارفي حالة الخوف، إلى إنسان هلع لايملك السيطرة على نفسه فيطلق لعنانه التصرف ولخياله البحث عن الأمن والأمان، فيوجهه خياله ولب

فتهدأ النوازع والتهابات الفزع والقلق في السلوك المخفي، ويركن التوتر المرتبط بالخوف إلى هدوء يتساوق مع حالة الهدوء والطمأنينة التي سرت في أوصال المكان ومفرداته التي تقبع خلف باب موصد يوفر بقصد وتمكن واقتدار دفء السكون، وجلاء الهم المرتبط بحالة الخوف الذي سيطرت على إنسان لاذ بالباب والمكان ظنا منه أن الباب خلفه الحماية والانعزال عن المسببات وعن مكامن الشر، أوما يسبب الخوف والقلق وفتنة النفس لحظة انشقاقها بالهلع عن إنسان راغ من الخوف والفزع

63 2024 ديسمبر 302 / العدد

62

الباب والخوف

Made with FlippingBook - Online catalogs