ارتياد الآفاق
أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك: رؤية خير الدين التونسي لجغرافيا الممالك وأحوالها في القرن التاسع عشر
محمد عبد العزيز السقا «أهم ما ألف في الشرق في عصرنا هذا» وصفه المستشرق أثناء زيارة ) 1 ( الألماني والرحالة «هاينريش فون مالتزان» م، وإذا كان القارئ العزيز يرغب في أن 1853 تونس عام يقرأ كتابا في أدب الرحلة التقليدي، فلن يجد طلبه عند خير الدين التونسي، لأنه لا يتحدث عن رحلة تقليدية قام بها المؤلف بالتفصيل الجغرافي أو القصصي، ولا يحتوي على أوصاف للمعالم والشوارع كما هو شائع في أدب الرحلة الكلاسيكي، بل على النقيض من ذلك لأنه سيجد نفسه أمام شيء مختلف تماما سيجد نفسه في غياهب تحفة فكرية تحمل سمات أدب الرحلة حيث يعكس الكتاب مشاهدات «خيرالدين التونسي» وخلاصة تجاربه أثناء إقامته واحتكاكه بالدول الأوروبية، خاصة فرنسا. كما أنه يتكئ على المقارنة بين عالمين (الإسلامي والغربي)، وهي فكرة رئيسية في أدب الرحلات، ويطرح رؤية تأملية محفوفة بالمخاطرعن الأنظمة السياسية والاجتماعية التي عايشها في أوروبا، ما يجعلها أشبه بـ«رحلة فكرية» في أحوال الممالك في القرن التاسع عشر. أقوم المسالك: م، من مقدمة 1866 يتألف الكتاب الذي صدرللمرة الأولى عام طويلة، وجزأيْْن؛ يحوي الجزء الأول عشرين باباًً، يستوفي دراسة شاملة وتحليلا دقيقا لممالك العالم وأوضاعها، كل باب مخصص لبلد من البلاد الأوروبية، وتضم الأبواب فصولا تتضمن الحديث عن تاريخ البلد، وجغرافيته، وموقعه، ومساحته، وأهم ملوكه، وتنظيماته الإدارية والسياسية والعسكرية. يشمل هذا القسم الحديث عن الدول الكبرى، مثل: الدولة العثمانية
باعتبارها القوة الإسلامية الأبرز في ذلك الوقت، إلى جانب ممالك فرنسا، وإنجلترا، وروسيا، والنمسا، وبروسيا. كما يتطرق إلى ممالك أخرى مثل: إيطاليا، وإسبانيا، وهولندا، والدنمارك، والبرتغال، والبلجيك، بالإضافة إلى ممالك أصغر مثل: السويد والنرويج، وسويسرا، وإمارة بادن الكبرى، ومملكة البابا. يقدم هذا القسم تحليلا معمقا لعوامل القوة والضعف في كل مملكة من هذه الممالك، مع مقارنة واضحة بين الغرب والدولة العثمانية، أما الجزء الثاني فيحتوي على ستة أبواب؛ خمسة منها في جغرافية القارات الخمس، وخصص الباب السادس للبحار. فينتقل إلى دراسة الكرة الأرضية بشكل أوسع، حيث يتناول أقسام العالم جغرافيا وقارياًً. فهو يبدأ بتقسيم شامل للكرة الأرضية، ثم يخصص فصولا للحديث عن أوروبا، وآسيا، وأفريقيا، والأمريكيتين، وجزرالأوقيانوس. ويضم هذا الجزء أيضا فصلا خاصا حول تقسيم البحار. ويُُختتم الكتاب بتقاريظ كتبها معاصروه، تثني على الكتاب وأهميته في طرح رؤية إصلاحية مستنيرة تستفيد من التقدم الأوروبي
مع الحفاظ على الهوية الإسلامية. ويكاد يتوافق الباحثون على أن أهم ما في الكتاب هو مقدمته التي تجاوز الاهتمام بها سائر الكتاب، وأصبحت الإشارة إلى كتاب «أقوم المسالك» تعني الإشارة إلى المقدمة وحدها، التي تُُقط ّّر تجربة الرجل الجريئة في طرحها والتي أعادت تعريف الهوية الإسلامية عبر محاولة كسرطوق الجمود في الأخذ عن الغرب. وعرّّف خير الدين أقوم المسالك بأنه بحث في أسباب التقدم والتأخر للأمة الإسلامية وأنه استوحى مضمونه من مصادر ثلاثة: تجربته السياسية، ومطالعاته في التاريخ السياسي والاقتصادي وجغرافية العالم، ومشاهداته أثناء الرحلات التي قام بها إلى أوروبا. وترجم الكتاب إلى الإنجليزية بعد قرن من . 1967 الزمان في عام مقاربة بين مصر وتونس والتجربة العثمانية حركتان للإصلاح العربي يمكن أن نقول إنهما كتب لهما النجاح
في القرن التاسع عشر؛ الأولى قام بها «علي باشا الكبير» في مصر، والثانية قام بها «خير الدين باشا» في تونس؛ وهو م ََن ِم الذي بين أيدينا، ويروي لنا فيه تجربته �ِّ وضع الم لؤََّف القََي ِ دول المغرب العربي، �ِّ كقائد لمحاولة النهوض بدولة من أهم والمفارقة هي أن مصر وتونس كانتا تدوران في فلك الدولة العثمانية حتى بعد الاستقلال، فكان نصيبهما واحد من المشكلات السياسية والسيادية، والتحديات الفكرية وفساد الاعتقاد بأن التفو ُُّق الأوروبي هو تفو ُُّق عسكري بالدرجة الأولى، واتجهت الهمم لبناء الجيوش على النمط الغربي، حتى الْْتََفََت أولو الأمر إلى أهمية الصناعة والتعليم. مؤلف الكتاب: رحالة وسياسي وعسكري شهير، وأحد رواد الإصلاح في «تونس» في القرن التاسع عشر، عُُرف بموقفه في حماية الأراضي للميلاد في 1820 التونسية من الأطماع الفرنسية. وُُلد عام
73
72
2024 ديسمبر 302 / العدد
أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك: رؤية خير الدين التونسي لجغرافيا الممالك وأحوالها في القرن التاسع عشر
Made with FlippingBook - Online catalogs