torath 302- Dec - 2024

ارتياد الآفاق

قرية بجبال «القوقاز»، كان مملوكا ينتمي إلى قبيلة «أباظة» ببلاد الشركس، توفي والده في إحدى المعارك العثمانية ضد «روسيا»، فأ ُُسرطفلا إثرغارة عسكرية، ثم بيع في سوق العبيد ﺑ «إسطنبول»، ثم وصل إلى «تونس» في السابعة عشرة من عمره، وأصبح مملوكا ﻟ «أحمد باشا باي» الذي قربه وحرص على تربيته وتعليمه، فأقبل على تحصيل الفنون العسكرية على مكتب العلوم ا � والسياسية والتاريخية، وعُُين مشرف ه «أحمد ا الحربية، وفاز بالمراتب العسكرية عن جدارة، فول َّا م ع ُُين 1857 م، وفي عام 1849 أمي ار للواء الخيََّالة عام ) 2 ( باي» وزيار للبحر، فعمل على ضبط الاتفاقيات والقوانين لحفظ الأراضي التونسية، وأسهم في وضع قوانين مجلس الشورى م، ثم قدّّم استقالته من جميع 1861 ثم أصبح رئيسا له عام وظائفه وانعزل للتأمل والكتابة لمدة سبعة أعوام، فكان نتاج ذلك كتابه «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك»، وفي ِف برئاسة لجنة الكومسيون المالي، ثم تولى �ِّ م كُُل 1869 عام م، وبسبب الوشاية بينه وبين 1878 منصب الوزير الأكبر عام «الباي» استقال من منصبه وهاجر إلى «إسطنبول» فعينه السلطان «عبد الحميد الثاني» صدار أعظم للدولة العثمانية، في فترة الهزائم القاسية على يد روسيا، ولما أخفق في إقناع السلطان «عبد الحميد» برؤيته في إصلاح نظام الحكم، قدم م، واكتفى بعضوية مجلس 1879 استقالته من منصبه عام م. 1890 الأعيان إلى أن رحل عن عالمنا في يناير عام من الكتاب: ... أفيحسن من أُُس ََاة الأمة (يقصد قادتها) جاء في المقدمة: الجهل بأمراضها، أو صرف الهمة إلى اقتناء جواهر العلوم مجردة عن أعراضها؟ كما أنه يسوؤنا الجهل بذلك من بعض رجال السياسة، والتجاهل من بعضهم رغبة في إطلاق الرئاسة (يقصد السلطة المطلقة)، فلذلك هجس ببالي ما استذكيت لأجله دبالي، من أني لو جمعت بعض ما استنتجته منذ سنين بإعمال الفكر والروية، مع ما شاهدته أثناء أسفاري للبلدان (الأوروباوية) الأوروبية، .... لم يخل سعيي من فائدة، خصوصا إذا ص ََادََق أفئدة على حماية بيضة الإسلام متعاضدة. وأهم تلك الفوائد عندي، التي هي في هذا التأليف مناط قصدي، تذكير العلماء الأعلام، بما يعينهم على معرفة ما يجب اعتباره من حوادث الأيام، وإيقاظ الغافلين من رجال السياسة وسائر الخواص والعوام، ببيان ما ينبغي أن تكون عليه التصرفات الداخلية والخارجية، وذكر ما تتأكد معرفته من أحوال الأمم

.. هذا وإن المملكة الروسية محتوية على المملكة الروسية: أمم عدة مختلفة الأجناس، أعظمها جنس السلاف، ومن هذا الجنس الروس والبولونيز أي أهل بولونيا. ثم اللفونيان أي أهل ليفونيا ثم الكورلنديون، ثم الليتوانيون ويوجد بكثرة بناحية القطب الشمالي من الروسية جنس الفينوي والإستوانيان واللابون، ويقال لهم: ساموياد، وجنس التشراميس، والأوستياك، والتشوفاش، والبيرميان، وغيرهم، ثم من بعد الأجناس التي ذكرت جنس الألمان، والإغريق، واليهود، والتتار، والترك، والأرمن، والكرج، وقبائل الكوكاز، وقبائل أخرى رحالة، مثل المغول والكلموك، والكورياك، والكمشدال، والتشوكوتش والإليوت. ويقال إنه يوجد في هذه السلطنة ثلاثون لسانا على الأقل، والمذهب الإغريقي المنفصل عن الكاتوليكي هو المتسلطن بتلك المملكة. .. ومنذ سنين رُُبي بها الغنم المرينوس المملكة الفرنسية: المجلوب من إسبانيا، ومعزالتبت، وهوصقع في آسيا الوسطى - اللذان شعرهما يشبه الحريرلينا ًً، وأعمال اليد بها (أي فرنسا) في غاية الإتقان، لا يسلمون جودة الصنائع وأعمال اليد لأمة من الأمم إلا للأمة الإنكليزية في عمل المكينات، وبعض الأقمشة القطنية وغيرها في الكثرة ورخص أسعارها، وفيما عدا ذلك

قبر خير الدين باشا

فإنهم متميزون عمن عداهم بإتقان الجوخ، وجميع أقمشة الصوف والحرير والكتان والقطن، وما يستعمل من الجلود، وكذا الصيني والفخار المطلي، والبلور، وما شاكل ذلك. وكذا صناعة الصياغة، والآلات التي يستعان بها على سائر الصنائع وغير ذلك، كما أن دائرة المتجر بها في ) 3 ( وعمل الكراريس غاية الاتساع داخل البلاد وخارجها، وأصول السلع التي تخرج من فرنسا راجعة على سبيل الإجمال إلى الأقمشة، من حرير

الإفرنجية، خصوصا من لهم بنا مزيد اختلاط، وشديد علقة وارتباط... اعلم أن الإمبراطور شارلمان التمدن (الأوروباوي) الأوروبي: الذي أسس دعائم السياسة والأحكام كان أشهر ملك ظهر في أوروبا من وقت سقوط الدولة الرومانية إلى سقوط دولة الإغريق التي كان تحت مملكتها القسطنطينية العظمى، وهو الذي أدخل العلوم والأعمال لممالكه، وكان يفني غالب أوقاته في قراءة العلوم، وكان مجلسه محفوفا بالعلماء، وأسس في باريس مدرسة جامعة لسائرالمعارف، وبمثل هاته المآثرحصل له من السمعة في أقطار الأرض ما استمال الخليفة هارون الرشيد إلى صحبته ومهاداته بتحف ٍٍ، منها منقالة لم تزل إلى الآن في أحد قصور فرنسا. ثم بعد وفاة الإمبراطور المذكور وفقدان تدبيره تعطلت تلك المصالح وتنازلت أوروبا وبقِِيََت مغمورة في دجى الجهل مدة ستمئة عام، وفي هاته المدة كانت موطئا لأقدام البرابرة الذين كانت دولهم تتداول عليها. ومع ذلك الفشل التام فإن أهل الكنيسة منهم كانوا محافظين على كتب المعارف وعلى اللسانين اللذين لولاهما ما انتفع بتلك الكتب، وهما اليوناني واللاتيني، فالناس ممنونون لهم بذلك.

75

74

2024 ديسمبر 302 / العدد

أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك: رؤية خير الدين التونسي لجغرافيا الممالك وأحوالها في القرن التاسع عشر

Made with FlippingBook - Online catalogs