دراسات إماراتية
الأطلال عند شعراء الإمارات
قتيبة أحمد المقطرن
الطلل في الشعر القديم إن شعرالأطلال قديم ق ِِد ََم الشعرالجاهلي، وهذا الغرض الشعري الكبيراستغرق حي اّّز واسعا من أشعارالقدماء إلى أيامنا هذه، إلا أن شعراء الجاهلية لم يبكوا على الأطلال بين الأحبة بقدر ما بكوا خ ُُلو الديار من أهلها، وكأن نََف ْْس الشاعر البدوي تتوق وتتطلع إلى استقرار حضاري، وهذا يعني أن الشاعر الجاهلي كان يفقد السيطرة على المكان، ويعاني هروبه الدائم من قبضته، وفي هذه الحال لا يجد سوى الذاكرة ملجأ وعونا لاستحضار تلك الصور المتداعية. ويرتبط فقدان المكان عند الشاعر الجاهلي عادة بفقدان المحبوبة التي تشكّّل عامل التواصل الإنساني، فإذا نأت المحبوبة عن محبوبها ووقع الفراق بين قلبيهما، نجد الشاعركلما مر أمام ديارها المهجورة يبكي أطلالها ويتحس ّّرعلى الأيام الخوالي، ويبدأ باستحضارمفردات هذا المكان الذي قضى فيه أياما وأوقاتا سعيدة. إن ثمة علاقة وطيدة تربط بين الشاعر والمكان - الطلل، فيحاول أن ي ُُسبغ عليه أوصاف الأنس والاجتماع (ي ُُؤ ََن ْْس ِِنه ُُ)، وهذا يعني أن الشعراء تركوا المظاهر الخارجية في المكان - الطلل؛ لأنها لا تستجيب لأحاسيسهم وما يبوحون به، وراحوا يُُفرغون عليه أوصاف الأنس والاجتماع، وبهذا يرون أن المسافة بينهم وبين المكان بََد ََت قريبة يمكن الارتياح إليها وتفي بالغرض.
. ) 1 ( معضلة الشعرالحديث ذات ارتباط عضوي بالمكان وشعراء الإمارات كغيرهم ممن سبقوهم فقد أََدْْلوا بِِدََلوهم في هذا الغرض الشعري، فحياتهم، قبل عصر النفط، كانت تقوم على التنقل والترحال، وبالتالي كانت تتطلّّب منهم أن يغيّّروا أماكن إقامتهم من حين إلى آخر؛ حيث مواطن الماء والكلأ، ومع اغترابهم في المدينة الحديثة كانت تََع ِِن على بالهم وتحن قلوبهم إلى تلك الأماكن التي تنق ّّلوا فيها وترعرعوا وأحبّّوا وعشقوا فوق رمال صحرائها، وعندما تتأجج مشاعر الحنين ولواعج الشوق إلى المكان القديم، تصدح ألسنتهم باستعادة ذكريات الماضي، فها هو الشاعر مانع العتيبة يُُسائل الديار ُُوالأطلال عن الأحبة الراحلين: أُُسائِِــــــــــــــــــــــــــــــــــل الــــــــدّّار والأشـــــــــــــــــــــــــــــــــواق تشتعـــــــــــــــل ْْعـــــــــــن الأََحبََّــــــــــــــــــــــة هل يــــــــــــــــــــــا دار قد رََح ََلُُـــــــــــــــــــــــــــــــــوا ُُفلا ت ُُجيـــــــــــــــــــــــــــــب ســـــــــــوى بالصمت ي ََصـر ُُخ بـِِـــــــــــي ُُــــــــــــــــــــف القََلــــــــــــــــــــــــــــــب مُُرْْتابــــــــــــــــــــا ويََنشغِِــــــــــــــــــــل ف ََيرج ُُأين الحبيــــــــــــــــــــب وأيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــن النُُّور يغمُُرُُنــــــــــــــــــــــــــــــي ٌٌوأين ب ََو ْْح الهــــــــــــــــــــــــــــــوى واله ََمــــــــــــــــــــس والغ ََــــــــــــــــــــــــــز ََل ُُيا دار ج ِِئتُُــــــــــــــــــــــــــــــك مشتاقــــــــــا وََلِِـــــــــــــــــــــــــــــــــــــي أََمــــــــــــــــــــل ِي علــــــــــــــــــــــــى أعتابِِــــــــــــــــــك الأمــــــــــــــــــــــــــــــــــل �ِّ ُُفضــــــــــــــــــاع مِِن يــــــــــــــــــا دار أيــــــــــــــــــــــــن حبيبــــــــــــــــــــــــي أيــــــــــــــــــن خ ُُطوتُُــــــــــــــــــه
الطلل في الشعر الحديث الطلل كان وسيظل شارة الشعر العربي ماضيا وحاض ارًً، ما دام الطلل هاجسا يسكن الذات العربية، وإن خََفََت ذِِكرُُه حيناًً، يعود أحايين أخرى أشد توهجا وحضوارًً. لقد أعادت المدينة تشكيل الطلل في الشعر العربي الحديث، فلم يرتبط عندها برحلة الظعائن في الصحراء، وإنما قدََّمت المدينة الطلل في ثوب آخر، فقد غدا الطلل مكانا هادئا يقع خارج دورة الزمن وحركته الجنونية المتسارعة للحياة، وكأن الطلل عزلة الزمن في الزمن، وعزلة المكان في المكان. فوقفة الشعراء الرومانسيين على الطلل لا تختلف عن وقفة الشعراء ِ أوفى، ووقفة البحتري على �ِّ القدامى، فوقفة زهير على آثار أُُم إيوان كسرى، ووقفة عمر أبو ريشة على ط ََلََل روماني، ووقفة إلياس أبو شبكة على أطلال ص ُُور، وقفة واحدة مع النفس تلجأ فيها إلى صمت المكان الذي يحمل في طياته أسرار م ََن ق ََبله، وفي هذا يقول الدكتور حبيب مؤنسي: «لم يعد الطلل شارة بارزة من حجارة ون ُُؤي وأثافي، إنما أصبح في أغوارالنفس شقوقا وأخاديد يحفرها الدهر ح ُُف اََر تنبجس منها الأحاسيس مملوءة بالهم والحزن، فقد كانت بالأمس رمزاستدعاء الماضي المنقطع، ولكنها اليوم تنظرإلى ماض لم تنل منه حظا لطيف الذكر، وتتلهف إلى مستقبل لا تعرف عنه شيئاًً، ومن هنا كانت
87 2024 ديسمبر 302 / العدد
86 الأطلال عند شعراء الإمارات
Made with FlippingBook - Online catalogs