دراسات إماراتية
وأيــــــــــــــــــــــــن إيقاع ُُهــــــــــــــــــــــــا في القلــــــــــــــــــب ينتقــــــــــــــــــــــــــل ا ََـــــــــــــوََى عطــــــــــــر الخ ُُطــــــــــــــى الثََّمِِــــــــــــل يُُثير نــــــــــار الج
هنا تتشكل من معطيات معنوية لا ترقى إليها المعطيات الحسية (أحلام عشاق تتبدد، أطلال حزينة باكية، البين المقيم، الذكريات والحسرات)، فالحديث عن البكاء والأحزان والحسرات والذكريات حل محل الأوصاف المادية الحسية، ولعل في هذا تكثيفا لحالة الحزن والألم التي يعيش الشاعر أوجاعها ويكتوي بنارها، حتى الحزن يبكي في هذا المكان.. إن هذا المكان - الطلل يتجس ّّد لوحة حزينة باكية شجيّّة تحكي الجمال الصامت الحزين، وتعلو وتيرة الحزن في هذا المكان؛ بإعراض المحبوب وتجاهله لحال الشاعر وأحزانه ومواجعه، وكأن الشاعر يعمد إلى المقارنة بين المكان في وقته الحالي الحزين الكئيب، وماضيه السعيد الجميل؛ حيث كان المكان مسكونا بالحب والحبيب، والآن حل البين والفراق والحزن.. إن الذكرى المؤلمة تفعل فعلها بالشاعر فلا يجد سبيلا للبوح بها والتخفف من غلوائها إلا من خلال الآهات المتقطعة التي يعتمل بها صدره.. وينبع الجمال في هذا المكان من غلالة الحزن التي تغلفه وتسكن زواياه الحزينة، فكما يمنح الفرح المكان جمالاًً، كذلك يمنح الحزن المكان جمالا ولكن من نوع آخر.. وإذا صح التعبير فهو (الج ََمال الحزين)، و(الحزن الجميل). إن المكان بهذه الصفات المعنوية لََهُُو أبلغ في التعبير عن مشاعرالحزن والحسرة من المكان الذي يأتي فيه الشاعرعلى وصف الماديات المكانية المحسوسة، ونكاد نتخيل الشاعر
الأبيات (تشتعل، تجيب، يصرخ، يرجف، يغمرني، يثير، تتبعني، يسكنه) يعطي المكان بُُعدا من الحيوية والحركة والتجدد. ويكاد الشاعرأحمد راشد سعيدان يقترب في أطلاله من أطلال العتيبة، فذكريات المكان الحبيب تشك ّّل المحورالأساسي لهذا المكان - الطلل: ُُــــــــــــــــــــــــــــــول بأطــــــــــــــــــــــــراف الع ُُيــــــــــــون فمــــــــــــــــــا أرى أ ََج سوى منزل المحبــــــــــــوب رََس ْْمــــــــــــــــــــــــا بََد ََا لِِيََـــــــــــــــــــــا ََّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاق تََبََــــــــــــــــــــــــدََّد شََمْْلُُهـــــــــــــــــــــــــــا وأََحــــــــــــــــــلام عُُش وأطــــــــــــــــــــــــلال أحبــــــــــــــــــاب بها الحــــــــــــــــــزن ب ََاك ِِي ََـــــــــــــــــــــــــا ْْـر ََتـــــــــــــــــــــــي ِكــــــــــــــــــرى أ ُُصارع ح ََس �ِّ ومِِن لوعــــــــــــــــــــــــة الذ ََــــــــــــــــــــــرََى لِِيََــــــــــــــــــــــــا ُُوأشــــــــــــــــــرح بالآهــــــــــــــــــات هََمّّــــــــــــــــــا ج ََــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه ُُــــــــــــــــــــــــه والقلـــــــــــــب يشكــــــــــــــــــو ج ِِراح ِع �ِّ أ ُُو ََد ففــــــي دار من أهــــــــــــوى ثََــــــوََى البََيـــــــــــن نََاع ِِيــــــــــــــــــــــا وج ُُرحــــــــــــــــــــــــــــــي دََوََاه الص ََّبــــــــــــر لََكــــــــــــن إلى متــــــــــــــــــى وهــــــــــــــــــــــــذا حبيــــــــــــب القلــــــــــــب ليــــــــــــــــــس م ُُبال ِِيـــــــــــــــــــا فََيََــــــــــــــــــــــــا دََار مََن غابُُــــــــــــــــــــــــوا إليــــــــــــــــــك تََحيََّتــــــــــــــــــــــــــــــي ) 3 ( نــــــــــــــــــي عليــــــــــــــــــك س ََلام ِِي ََـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ا ويََــــــــــــــــــــــا دََار خ ِِل َّا وفي هذا المكان - الط ََّلل لا نقع على وصف لجزئياته من جدران وحجارة الموقد وأوتاد الخيمة ومعالف الإبل؛ حيث يتركّّز حديث الشاعرهنا على الحزن الذي يعم المكان ويغل ّّف جنباته والذكريات الأليمة التي تعتصر قلبه.. لقد حل الصمت الحزين بالمكان بعدما كان مأهولا عام ار بالأحبة. إن مفردات المكان
أمام هذا المكان واجما صامتا ودموع الحزن في المآقي، ومع كل دمعة تذرفها عيناه يمر أمامه شريط من الذكريات السعيدة التي أمضاها بصحبة المحبوب في هذا المكان. ولا شك أن الأفعال المضارعة التي وظّّفها الشاعر تؤكد ِد حالة الحزن التي يعيشها (أجول، أرى، أصارع، أشرح، �ِّ وتُُجد أودّّعه، يشكو) وتدعمها قافية الياء المطلقة لتبلور وتعمّّق حالة الحزن التي يختلج بها صدره. لا شك أن دواوين شعراء الإمارات تحفل بالكثير من شعر الأطلال، وقد اكتفيت بهذين النموذجين الشعريين لألقي الضوء على إسهامات بعضهم في تََنََاول هذا الموضوع الشعري، وكيف تََبََلور تََصوُُّرهم للمكان - الطلل، وكيف تجلّّت جمالياته في أشعارهم، ومدى تجديدهم ومحاكاتهم للشعراء القدماء في هذا الغرض الشعري الأصيل، الذي كانت له الصدارة في قصائد ومعلقات الشعر الجاهلي ناقد وأكاديمي سوري الهوامش والمراجع: . فلسفة المكان في الشعر العربي- قراءة موضوعاتية جمالية، الدكتور حبيب 1 . وانظر الرابط التالي: 2001 مؤنسي، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق www.awu-dam.org/book/01/study01/314-m/book01-sd003.htm . ديوان (الرسالة الأخيرة)، قصيدة (أسائل الديار)، الدكتورمانع سعيد العتيبة، 2 ، نشر وتوزيع المؤسسة العربية للإعلام والعلاقات العامة، أبوظبي، الإمارات 4 ط . 31 - 27 ، ص 1987 العربية المتحدة . ديوان (معزوفة الوتر الحزين)، قصيدة (الوقوف على الأطلال)، أحمد راشد 3 . 16 - 15 سعيدان، دار الكلمة، بيروت، ص
ُُوأيــــــــــــن ع ِِطــــــــــــــــــــــــر مشـــــــــــــــــــى مِِن خ ََلفِِهــــــــــــا ثََمِِـــــــــــــــــلًا
ُُدََخََلــــــــــــــــــــــــت للــــــــــــدار والأحــــــــــــــــــــــــزان تََتبعُُنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي
ُُــــــــــــــــــــــــــــــل ُُفقالــــــــــــــــــت الدارُُ: صبـــــــــــــــــــ ار أيُُّهــــــــــــــــــا الرََّج
ْْــــــــــــــــــر حِِيــــــــــــــــــن يََسكُُنُُــــــــــــــــــــــــه وأنــــــــــــــــــــــــــــــت يا دار قََص
) 2 (ُُ حبيـــــــــــــــــــــــــــــــــب قلبي ولكــــــــــــــــــــــن د ُُون ََـــــــــــه ط ََل ََـــــــــــــــــــــــل للوهلة الأولى نلاحظ أن أطلال العتيبة كأطلال امرئ القيس وطرفة بن العبد وزهير بن أبي س ُُلمى وغيرهم من شعراء الجاهلية، ولكن إذا أمعن ََّا النظر نرى أن الشاعر العتيبة يرك ّّز في أطلاله على العنصر البشري والجانب الإنساني، ونكاد لا نرى تفصيلا دقيقا لجزئيات المكان ومسمياته، وهذا يؤكد أن الشعراء المعاصرين ركّّزوا في أطلالهم على أوصاف الأنس والاجتماع، وتخفََّفوا من الحديث عن المظاهر الخارجية للمكان، التي لا تستجيب لأحاسيسهم وما يعتمل في صدورهم ومشاعرهم، بدليل أن الشاعريسائل الديارفلا تجيبه، ونلاحظ بوضوح تركيزه على ذكرالحبيب، فالمكان لم يعد تلك الأطلال الدارسة الصامتة والجدران الخاوية، بل أصبح هذا المكان - الطلل ح ََيّّا د ََبََّت الحياة في أوصاله وس ََرََت في عروقه، من خلال ذكريات الحبيب، والأيام الخوالي التي كان فيها هذا المكان بسكانه. لقد جََسََّد العتيبة المكان بصورة الحبيب ا � عامر فراح يتتبّّع كل حركاته وتنقلاته في هذا المكان، وهو يستعيد شريط ذكرياته (أين الحبيب، أين النور، أين بوح الهوى، أين حبيبي، أين خطوته، أين إيقاعها، أين عطر مشى؟)، وما نفع أن يكلّّم الشاعر حجارة صم ََّاء وأطلالا دارسة؟ وهذا يعني أنه مكان مهم ََل لا حياة فيه ولا روح. والنقاد المعاصرون يرون أن المكان المهمََل لا قيمة له في الشعر، أما المكان المأهول العامر بالحياة والحركة فهو المكان الذي يصن ََّف ضمن دائرة اهتماماتهم؛ ولهذا نرى هذا المكان عند العتيبة تفيض في أرجائه الحيوية والحياة، المتمثلة في شخص الحبيب وخطواته وحركاته. إن الشعراء المعاصرين س ََمََوا بالمكان - الطلل، الذي تحدث عنه القدماء، ونقلوه إلى رحاب أوسع وأشمل، فنلاحظ في المكان حبيبا يتحرك، ونوار وعط ار ومكانا عام ار تسري الحياة في شرايينه، فالمكان - الطلل عند العتيبة يعمُُر بالحبيب، ومن دونه فالمكان الصامت لا يعنيه لا من قريب ولا من بعيد، وهنا تتجلى جمالية هذا المكان. وتََتََابع الأفعال المضارعة في
89
88
2024 ديسمبر 302 / العدد
ُُ
الأطلال عند شعراء الإمارات
Made with FlippingBook - Online catalogs