torath 302- Dec - 2024

سوق الكتب

المخطوط العربي من سبات القرون إلى فضاء الحداثة

الميلادي. أما على المستوى العربي، فقد ولدت نظرية تحقيق النصوص على يدي المستشرق الألماني برجستراسرالذي عمل أستاذا زائ ار في جامعة القاهرة وألقى مجموعة من المحاضرات تم جمعها ونشرها فيما بعد، وقد ظهر فيما بعد علماء عرب أجلاء أسهموا في وضع قواعد تحقيق النصوص وأسس نشرها ولعل من أهمهم: عبد السلام هارون، ومحمد مندور، وأحمد زكي باشا، وصلاح الدين المنجد وغيرهم. أما الفصل الثاني هو «جهود التحقيق: الفنية والاستقصائية»، ففيه تتعرض المؤلفة إلى مجمل الطرق والأنساق الاختبارية والتحليلية والمقارنات التي تضمها عملية التحقيق والتي يمكن تقسميها حسب ما بيّّـنته المؤلفة إلى ثلاثة أنساق وهي مراحل عملية التحقيق، حيث تتضمن المرحلة الأولى جهود التحقيق الفنية والتقنية بما له علاقة بالمكونات المادية للمخطوط مثل الورق والحبر والفنية المتمثلة في الخط، وتتضمن المرحلة الثانية جهود التحقيق الاستقصائية المتعلقة بالبحث عن نسخ المخطوط، أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة التحقيق الأساسية. والفصل الثالث جاء بعنوان «جهود التحقيق البحثية والدراسية»، وفيه تقدم المؤلفة تفصيلا شاملا لعملية التحقيق الأساسية من جمع النسخ وترتيبها واختيار النسخة الأم، والمقابلة وتحقيق عنوان المخطوط واسم المؤلف وغيرها من إجراءات تصب في الجانب العملي للتحقيق. والفصل الرابع وهو «ولادة النصوص التحقيق.. مسارات التحقيق قديما وحديثاًً/ الكمبيوتر»، وفيها تستعرض الكاتبة مسارات التحقيق قديما وما طرأ عليها من تغيّّرات بفضل الإتاحة الإلكترونية في الوقت الحالي. والفصل الخامس المعنون بـ (تجربتي في تحقيق مخطوط علمي مخطوط كتاب إنباط المياه الخفية، لأبي بكر 1997- / هـ 1418 هـ)، وفيه تستعرض 410 محمد بن الحسن الكرجي توفي نحو الكاتبة تجربتها في تحقيق المخطوط السابق ذكره في عنوان الفصل، وتشيد من خلال هذا الفصل كذلك بالجهود الإدارية والإشرافية لمعهد المخطوطات العربية والدعم الذي قدمه لمخطوطها حتى يرى النور، ومن هنا توجه الكاتبة رسالة مفادها إلى أهمية المرجعيات والجهات الإدارية المسؤولة لعملية التحقيق. وفي الختام تقدم المؤلفة أشبه ما يسمى بخريطة طريق للنهوض بعلم تحقيق المخطوطات من خلال ربطه باستراتيجية

فكرية وبحثية يحيله إلى مشروع حضاري مهم يسهم في تعزيز وتجذير الهوية الوطنية العربية ويسهم في استرداد حضورها من الماضي إلى المستقبل. وهي تقدم في هذا الجانب مجموعة مهمة من التوصيات ولعل من أهمها: تنشيط عملية نشر المخطوطات المصورة مثل إصدارات فؤاد سزكين وأحمد يوسف الحسن، وإعادة طباعة (مجموعة الخطوط العربية ) للمستشرق موريتس 1000 من القرن الأول الهجري حتى عام ، وتضمين هذا الكتاب في إصدار موسوعي لتاريخ Moritz الخط العربي بما يخدم عملية تحقيق المخطوطات، والعمل على إصدار نشرة دائمة تجمع ما توصلت إليه جهود التحقيق في فترة محددة، وإنجاز معجم خاص بمصطلحات التحقيق، كما اقترحت تشكيل لجنة على مستوى كبار المحققين والخبراء لإعادة قراءة جهود المستشرقين في تحقيق التراث العربي، الأمر المهم الآخر الذي أوصت به المؤلفة هو ضرورة الاستفادة من الثورة التكنولوجية والرقمية وتسخيرها في خدمة التراث المخطوط سواء من خلال إتاحة خزائن رقمية للمخطوطات أو مواقع للخزائن على الإنترنت، أو توجيه العناية نحو إنتاج برامج حاسوبية جديدة تستوعب ما تحتاجه عملية التحقيق من مقابلات النسخ والتعليقات والشروح والفهرسة ورسم علامات الترقيم وغيرها هيئة أبوظبي للتراث

رافقها من اعتداء على الموارد والخزائن واستيلابها لتستقر في مجموعة من مكتبات وخزائن العالم الغربي. ولم يفت المؤلفة أن تستعرض جهود التحقيق التي أسهمت في انتشار هذا الإرث العربي الأصيل الذي يوثق لجميع العلوم في مختلف الميادين ويبين مساهمة العرب في الحضارة العالمية، فقد كانت الجهود في مراحلها الأولى جهودا عربية خالصة ولدت وتكاملت في مرحلة النسخ ما قبل الطباعي، ولكنها في المرحلة الثانية أصبحت أساليب تحقيقه متعلقة بالطباعة ونشر المخطوطات ومكثت في رعاية الاستشراق ومراكزه. ومنذ ثلاثينيات القرن المنصرم حدثت نقلة عربية حاولت تستفيد من جهود المستشرقين في تحقيقهم لعدد كبير من المخطوطات وأن تضفي عليها تأصيلا حقيقيا وخبرات عربية صرفة. وتسعى الكاتبة إلى التأكيد على ضرورة تجديد تقنيات التحقيق فهي كما بيّّـنت وضعت في الثلاثينيات في سياقات ناسبت تلك الفترة الزمنية، أما اليوم مع التغييرالذي طرأ على أوعية المعلومات التي وفرتها الشبكة العنكبوتية فلا بد من الاستفادة من هذه التقنيات ومن هذه الثورة المعلوماتية في تطوير الجهود التحقيقية ودعمها، كما تبين بأن التحقيق لا بد أن ينتقل من دوائره الفردية المعتمدة فيه على محقق واحد، إلى أن تتولى هيئة تحقيق عربية مستمرة هذا الأمر، وتجمع في أكنافها كل متطلبات جهود التحقيق. يتكوّّن الكتاب من مقدمة، وخمسة فصول، بالإضافة إلى خاتمة وتوصيات تدور في فلك جهود التحقيق وهي في الواقع لا تختلف عن تعريفاتها الجوهرية عما فعله الأساتذة والعلماء في هذا المجال، فجاء الفصل الأول تحت عنوان «في تاريخ التحقيق.. أصول عربية عتيقة – ولادة نظرية التحقيق – المستشرقون»، وفيه تناولت المؤلفة ولادة نظرية التحقيق أو ما يسمى علم نقد النصوص، لاسيما تلك المرتبطة بالطباعة وبيّّـنت أن للغرب السبق في ذلك، خاصة عندما اشتغل علماؤه على تحقيق التراث الإغريقي واللاتيني في القرن الخامس عشر

فاطمة مسعود المنصوري كتاب (المخطوط العربي من سبات القرون إلى فضاء الحداثة)، للدكتورة الفاضلة بغداد عبد المنعم الحاصلة على الدكتوراه في هندسة الموارد المائية في التراث العربي والإسلامي، يعد من الإصدارات المهمة التي تقع في حقل تحقيق المخطوطات، وتسعى من خلاله المؤلفة إلى تقديم صورة بانورامية لحياة المخطوط منذ ولادته حتى الوقت الراهن، مقدمة في الوقت نفسه نظرة استشرافية مستقبلية حول الاستفادة من تقنيات الثورة الرقمية لتطوير آليات التحقيق وتقنياته. صدر الكتاب عن طريق دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي، 111 ، ويقع في 2019 ضمن مشروع «إصدارات»، في عام صفحة من القطع المتوسط. وتنبع أهمية الكتاب في كونه يسلط الضوء على أهمية تحقيق المخطوطات والحرص في التثبت من النصوص المكتوبة، وقد استدلت المؤلفة على هذه الأهمية بالاستشهاد بقول الجاحظ: «ولربما أراد مؤلف الكتاب أن يصل ّّح تصحيفا أو كلمة ساقطة، فيكون إنشاء عشر ورقات من حراللفظ وشريف المعاني أيسرعليه من إتمام ذلك النقص حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكلام». كما تذهب المؤلفة في الكتاب إلى تقديم نبذة عن تطور المخطوط ورحلته من الشرق إلى الغرب، وجهود التحقيق التي واكبته، فقد تتبعت بداياته منذ بدء عصر التدوين حتى القرن الثالث عشر الهجري الذي زاد فيه إنتاج المخطوطات وتجاوزت عشرات الآلاف في مختلف حقول العلوم والمعارف الدينية واللغوية والأدبية التاريخية، ومن ثم انتشارها في مختلف خزائن ومكتبات العالم عندما كانت الثقافة العربية والإسلامية في أوج ازدهارها، ولكن في القرون التالية انتقلت هذه المخطوطات بسبب الحروب التي ألمّّت بالمنطقة، وما

91 2024 ديسمبر 302 / العدد

90 المخطوط العربي من سبات القرون إلى فضاء الحداثة

Made with FlippingBook - Online catalogs