torath 302- Dec - 2024

دراسات إماراتية

أحمد حسين حميدان ما عاد خافيا ما للمكان ومكوناته من أثر على الإنسان وسائر الكائنات الحية بمختلف أنواعها وكذلك ٍ سواء.. من خلال ذلك يبدو التباين واضحا في طقوس �ٍّ على مظاهر الحياة العامة والخاصة على حد العيش بين الريف وصحاريه والمدينة وسهولها، ونستطيع التفريق في هذا السياق ذاته بين المدن ذاتها، فالمدينة التي تحيطها اليابسة من جهاتها كلها ليست كالمدينة الناهض قوامها على ساحل ملاصق للنهرأو للبحرالذي سيؤثربها وبأبنائها من حيث أفقه المائي ومن حيث ما خبأ في أعماقه، وهو ما بدا ويبدو جليا في مجمل الدول الساحلية ومن ضمنها دولة الإمارات العربية المتحدة بسائر آفاق حدودها مع مياه البحر. بيئة متجددة البحر في الأدب الإماراتي.. وإلهام مستمر

البحر تاريخ وجغرافيا في بداية الخلق كان المكان الذي جعل المولى فيه أوطان مخلوقاته؛ وإذا كانت الإمارات هي ما تعنينا في هذا السياق، فإن هذا المولى العظيم الذي خلق من الماء كل شيء حي خلقها وأخرجها من أعماق بحرها حورية غنية بزينتها وثرواتها فكانت بهيئة جسدها الجغرافي وطنا لكل أبنائها، كما كانت بمخبوء ثرواتها حكاية طويلة وتاريخا ليس بالقصيرجاء في سيرته حياة أهلها وناسها في بيئتها الحارة حيث المكابدة الصعبة التي دفعت بهم بادئ ذي بدء إلى تحلية ماء البحروإلى رمي شباكهم فيها للإمساك بسمكها ومن ثم الولوج إلى أعماقه لصيد درره المتعددة وفي مقدمتها اللؤلؤ، وإضافة إلى ذلك كله ثمة مََن ًًا جاء من آفاق هذا البحرالمفتوحة صديقا تارة وعدوا مستعمر تارة أخرى فحكت سيرة البحر عن أطماعهم تاريخا تتجدد سيرته مع مضيّّها فوق حركة الزمن الذي محت من حوله آفة النسيان، فكتب بلسانها وروى عنها في قصصه (ميادير) الكاتب الإماراتي ناصرجبران كيف لفظ أنفاسه الأخيرة في ماء البحر الإماراتي م ََن جاء إليها معتديا ًً، كما كتب القاص والروائي الإماراتي علي أبو الريش ما كابده ابن الإمارات في عيشه الأول أثناء غوصه البحري في مجموعة قصصه (ذات المخالب)، ولم يفت القاص الإماراتي إبراهيم مبارك التنبيه إلى خطورة النافذة البحرية المفتوحة الأفق في مجموعة قصصه (خان)، في حين أن فاطمة محمد الهديدي في قصص مجموعتها (آثار .. لقد بقي البحرتاريخ ) 1 ( على نافذة) رصدت ملامح هذه الأخطار تراث يتجدد في حكاياته وأحداثه وتحول بروحه تاريخا لشعبه وأمته لا يقبل الغياب، كما تحول بجسده المتمدد على وسع

سواحل الحدود الإماراتية حتى غدا قوام هيئتها الجغرافية التي لا تقبل الانزياح أو التراجع عن علامة منها على الإطلاق.

البحر عمل وحياة إن ملاصقة البحرعلى امتداد ساحل اليابسة في دولة الإمارات العربية المتحدة ترك أثار كبيار ليس في مكونها الجغرافي ًًا وحده أو في مجريات أحداثها التاريخية وحسب، بل ترك آثار أخرى شملت نشاط الإنسان داخل مدنها في جوانب كثيرة من طقوس حياته المختلفة؛ ففي البداية مارس رياضة السباحة على شواطئه، ومن ثم دفعه وجود السمك إلى تجهيز شباك

95 2024 ديسمبر 302 / العدد

94 البحر في الأدب الإماراتي.. بيئة متجددة وإلهام مستمر

Made with FlippingBook - Online catalogs