torath 302- Dec - 2024

سوق الكتب

قسنطينة في أدب الرحلات: المدينة الجزائرية التاريخية وما حظيت به بعيون الرحالة

فمنه ما هو ذو أسلوب موجز لا يفي بالغرض المطلوب بحيث لا يتجاوز الأسطر المعدودة وخاصة ما كتبه الرعيل الأول، مثل صاحب كتاب «المسالك والممالك»، وصاحب كتاب «البلدان»، وغيرهما. أما الرح ّّالة الذين عاشوا في فترة متأخرة نسبياًً، فقد وصفوا لنا مدينة قسنطينة وصفا دقيقا شاملا لمعظم جوانب الحياة فيها. وقد حاول بورايو عبد الحفيظ، من خلال النصوص الرحلية التي اطّّلع عليها، على اختلاف مشارب أصحابها وتباين اتجاهاتهم وأزمنتهم، وما جمعه من مصادر ومراجع مختلفة، حاول الولوج إلى أعماق قسنطينة المدينة، وقسنطينة التاريخ، وتناول موقع المدينة ومبانيها ومقابرها وآثارها وطبيعتها الخلابة. قسنطينة بين الإدريسي والمقدسي ويورد لنا مؤلف كتاب «صورة مدينة قسنطينة في أدب الرحلات»، أن مدينة قسنطينة نالت حظا وافار من وصف الرح ّّالة أبو عبد الله الإدريسي، الملقب بـ «الشريف الإدريسي»، الذي تميّّز عن غيره من الرحّّالة بالدقة المتناهية، حيث يتحدث «الإدريسي» عن الوادي الخالد وادي الرمال الذي يحيط بالمدينة من الجهات كلها إحاطة العقد بجيد الحسناء،

كلمة «قسنطينة» وذلك بإبدال الصاد سينا والراء نوناًً. وفي «معجم البلدان» لياقوت الحموي الرومي البغدادي نقف على الاسم (قسنطينة) حيث عرفها بقوله: «قسنطينة: بضم أوله وفتح ثانيه ثم النون وكسرة خفيفة، وهاء، مدينة وقلعة يقال لها قسنطينة الهواء، وهي قلعة كبيرة جدا حصينة عالية لا يصلها الطير إلا بجهد». قبلة للعابرين وكما نطالع على صفحات كتاب «صورة مدينة قسنطينة في أدب الرحلات»، فإن هذه المدينة بقدرإمعانها في القسوة ضد أعدائها ومغتصبيها، بقدر ما كانت قبلة للعابرين والرحالين الذين شدوا إليها الرحال رجالا وركبانا وعلى اختلاف مشاربهم وأهوائهم جاؤوها من كل فج عميق، وآوََت إِِلََيْْهََا الطالبِِين، وكان لكل من هؤلاء الرح ّّالة زاوية نظر صو ّّر من خلالها المدينة في فترة من فترات عمرها المديد. بين غث وسمين ونتعرف من صفحات الكتاب، على تفاوت وصف الرحّّالة ٍ وسمين �ٍّ العرب لمدينة قسنطينة من حيث قيمته بين غث

علي تهامي حظيت مدينة قسنطينة الجزائرية، بحظ وافر من كتابات الرح ّّالة والمستشرقين، وكان لها - كذلك - حضور كبير في أدب الرحلات. وقسنطينة، كما وردت في كتب الرحّّالة هي أشبه ما تكون ببناء أنشأه فنان على بطاقة بريدية، ولما لا وهي المدينة التي وصفت بأنها «مدينة الهوى والهواء وقبلة العشاق الرحالين». وفي كتابه «أفريقيا»، قال الرحالة الفرنسي لويس بيرتراند م: «لا تتكلم عن 1933 الذي زار المدينة عام Louis Bertrand المدن المثيرة للإعجاب ما دمت لم تر قسنطينة وهي مشدودة إلى جانبي وادي الرمال بين جسر سيدي راشد الحجري العملاق والجسر الضيق الممتد على الهوة المثيرة للدوّّار، محاطة بالمرتفعات الخضراء». وفي كتابه «صورة مدينة قسنطينة في أدب الرحلات»، جمع لنا الباحث الجزائري بورايو عبد الحفيظ، الكثيرمما قاله الرح ّّالة عن تلك المدينة التي تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، ورصد لنا صورتها في أدب الرحلة. الكتاب الصادر عن دار السويدي للنشر والتوزيع في أبوظبي، والفائز بجائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي (الدورة السابعة)، يرسم لنا صورة المدينة كما وردت في كتابات الرحّّالة وكتب أدب الرحلات، وجعلنا نشتم عبق تلك المدينة التي ألهبت المشاعر، وألهمت المبدعين من الأدباء والشعراء والرسامين، فشدوا إليها الرحال عربا وأجانب من كل فج عميق. وبحسب كتاب بورايو عبد الحفيظ، فقد اختلفت الآراء وتباينت في أصل تسمية مدينة قسنطينة بهذا الاسم، وأقرب هذه الآراء إلى الحقيقة الرأي القائل بأن الاسم «قسنطينة» مركب إضافي من كلمة «قصر» و«طينة»، فاجتمعت الكلمتان بحكم النطق المتغيّّـر والتطور الزمني في

99

98

2024 ديسمبر 302 / العدد

قسنطينة في أدب الرحلات: المدينة الجزائرية التاريخية وما حظيت به بعيون الرحالة

Made with FlippingBook - Online catalogs