ملامح الماضي
ًًالحنين الإنتاجي في التراث المعماري أنموذجا ) نُُزُُل الرياحين (
لولوة المنصوري يبدو نُُزُُل الرياحين الواقع على ساحل (خور فكان) بدءا بمسماه الأثري الحميم، يبدو خالدا منذ حقب عربية بعيدة في التاريخ، وكأنك تسيرفي أزقة قرية طينية ساحلية من قرى الإمارات القديمة جداًً، ففي جوف المعيشة الفندقية في النُُزُُل تعود بالزمن إلى عهد الأجداد وأبناء الغوص والعصور اللؤلؤية، تمر في الزقاق بخطوات مملوءة بالاشتياق لحضن الظلال الرحيمة، ظلال جدة مجهولة تنتظر أحفادا ذهبوا إلى حيث لايأتي أحد، أو تلمح طيف أم تحمل رضيعها، وعيونها تنظرنحوالغيمة السابحة بين فضاء الجبل والبحر، منتظرة عند الباب بوح الغروب الشجيّّ، تلمح دمعتها من تحت البوشية، يغيب قلبك لبرهة في الحزن، لكنك تنتبه إلى كونك في جوف الأطياف والذكريات والشرود الروحي في ملامح الماضي وإشراقاته المستنيرة في دواخلك. تخرج من السوق الشعبي وقت الظهيرة بعد هدوء المقهى الأثيري الخاص بك، وتسير بهدوء على الجسر الفاصل بين السوق والنُُزُُل، متأملا أسفله حركة الماء الصافي المتدفق في مجرى الوادي، وحين تصل إلى النُُزل وتسير بين الأبواب تقفز إلى ذاكرتك تفاصيل الأبواب في قصة علي بابا والأربعين حرامي، بتتسم منتشيا بنبع القصة الطفولية التي غذت حسك التصويري والخيالي والروحي. تمضي في السكك المؤدية إلى باب بيتك المكوّّن من حوش كبير تتوسطه نخلة وعلى طرفه ليوان يهمس بالنهار والحب، بالصلوات والتأمل وخطوات الشمس الصباحية وهديل الحمام، كل ما في الحوش يذكرك بحياة لم تعشها، لكنك لمحت تفاصيلها في ذاكرة أجدادك وصور آبائك، وحنين روحك. وما أجمل أن تحتسي شاي العصر تحت ظل ليوان البيت متأملا سياحة السحب الشتوية بين الجبل والبحر.
ظل الحضارة وركب التمدن. فكل مايصير عاج از عن الحضور المادي والواقعي، يتََّقد الحنين اتجاهه كمعادل مانع للنسيان والغياب. وبلاشك أن بناء الأحياء والأسواق والفنادق من وحي التراث أو إقامة المهرجانات التراثية المتنوعة والملتقيات الثقافية والمؤتمرات المعنية بالتراث لهي كفيلة بإحداث هذه النقلة الإبداعية عبر تقديم التراث بصورة حداثية إبداعية ولو بشكل جزئي غير مباشر. ولعل لجوءنا إلى التراث وخاصة الرمزي منه / مثل النقوش الصخرية أو العلامات الطقوسية والأيقونية هي حاجة مستترة فينا إلى كل ماهو مستتر وكامن وم ُُلغ ِِز ومجهول وسحري في ظل الحياة الواضحة والم ُُباشرة. ِدا إبداعا إنسانيا موازياًً، سواء �ِّ وقد يبدو (الحنين الإنتاجي) م لو بالكتابة أو التشكيل أو النحت أو بالعزف الوجداني أو عبر إحياء التراث ومناقشته، يحدث كل ذلك بلغة النوستالجيا العميقة والمستترة، ولعل أعمق الحنين إنتاجا وإبداعا هو ما يسعى إلى تفكيك الحنين نفسه، ويعيد بعث السؤال فيه: (لماذا الماضي؟ لماذا لا نكتفي من جداوله وغدرانه؟ وحتى متى نطوف في دوامته السرمدية؟) باحثة وروائية إماراتية
المدى الأزرق البحري يلمع من بعيد، حيث نهاية الزقاق، والقرية هادئة للغاية، ونسائم الماضي تنبثق من أشجار القرية بعمق نوستالجي عجائبي. تعبر تفاصيلها المعمارية العريقة ودهاليزها التشكيلية، وتتأمل إكسسوارات الغرف ذات الطابع الحسي الطبيعي القادم من طين الأرض وأشجارها، الطابع الأصيل الممزوج بفيض تكويني إماراتي وأخشاب هندية وزخارف عثمانية والزجاج المعشق المتوّّج للأبواب والنوافذ، والذي تنعكس ألوانه على البيت والأثاث إذا ما حل الظلام وهدأت النفوس وارتاحت. لاشيء في الليل سوى ضوء الفنر والقناديل بين البيوت الناعسة الآمنة، إذ بتدو القرية كلها في حالة سكون وصلاة ليلية طويلة الأمد. كل تلك التشكلات والعلامات الأسلوبية والتناثر الزخرفي المتجلي بهيبة ووقار في المعمار يأخذك إلى تصديق الأمر، إن القرية امتداد لجذرفي الأرض، مبثوثة منذ زمن عريق على هذه الأرض الطيبة المشهورة بزراعة الرياحين، وهنا يكمن الإبداع التصويري المعماري، أن تكون في الحاضرويأتيك الماضي بكل خفة وجاذبية، يشبع حاجتك للعودة الميتافيزيقية إلى رحم البداية الرمزية للبلدات العتيقة المكتنزة بالدلالات الجمالية.
بيتك في النُُزل مكوّّن من حوش بسيط وليوان وغرفة ومطبخ ومجلس ونخلة وظل ورائحة ريحانة، هذا كل شيء. وهذه هي الكفاية اللذيذة للعيش، داخل هذا البيت تشعر وكأنك قد ملكت الأرض كلها، وعشت نورك وعافيتك وطمأنينتك، عشت عرس الضوء والفتح الروحي، وكنت أيقونة البيت ومجاله السابح في العطاء والرعاية. إنك أمام قيمة عظيمة من الخلق الفني والانبعاث الإبداعي للأثر والتراث، والعيش في أعماق اللغة البصرية والشميّّة والحسية. والذي قد يعتبره الآخرون في يومنا هذا مفردات هامشية في التراث لا أكثر. إن الوعي الحاد بتفاصيل الابتكار في التراث يعد أم ار مطروحا بالضرورة في المجتمعات الإنسانية المعاصرة كلها، إذ إن التماهي الجمالي والوظيفي للمكونات الحقيقية في التراث تكمن في بعثها من حيث الغياب والنسيان والتجاهل، وإعادة إنتاجها وإدراجها في تفاصيل الحياة الحاضرة وبصورة ابتكارية بديعة تتلاءم مع مظاهر الازدهار الحضاري الراقي. وقد سبق أن ذكرت في مقال سابق بعنوان (استلهام التراث في الإبداع)، بأننا نستلهم السحر العظيم للأشكال والوحدات المتنوعة والأساطير من الماضي كمحاولة منا للاتساق مع الذاكرة في
105
104
2024 مايو 295 / العدد
ًً
الحنين الإنتاجي في التراث المعماري (نُُزُُل الرياحين) أنموذجا
Made with FlippingBook - Share PDF online