torath 295 - May - 2024

سرد الذاكرة

) 25 ( ذكريات زمن البدايات «فارس اللغة» الدكتور عمر الخطيب

المناسبات التي تحتاج إلى البث المباشر والتغطية الصوتية. عندما أصغيت إليه وهو ينقل الاحتفال بالعيد الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة في التلفزيون، شعرت أنني أمام أستاذ في اللغة العربية، يرتجلها بطلاقة من دون أي لحن، أي من دون أي خطأ في قواعدها. وهو لا يشعرك عندما يرتجل أنه يتصنع ويستحضرجملا مكررة، بل يجعلك تقتنع أن ذلك الرجل يعرف ما يقول، وأن لديه قضية. وأعتقد أن ميزة الارتجال هذه لا تتوافرفي معظم المذيعين هذه الأيام، بل تشعروأنت تصغي إليهم يرتجلون أن اللغة مسيطرة عليهم وليسوا المسيطرين عليها، ناهيك عن الأخطاء النحوية الصارخة التي يقعون فيها. سألته في إحدى الجلسات: كيف تمكّّنت من اللغة ومن الارتجال بهذا الشكل؟ فأجاب: قد تتفاجأ أنني لم أدرس اللغة العربية، وأن دراساتي كانت مركزة على اللغة الإنجليزية ليس في الدول العربية بل في بريطانيا وأمريكا، ولكنني عندما عايشت بعض المذيعين الأجانب المبدعين في الارتجال، وجدت أن اللغة التي يرتجلون بها هي اللغة التي يستعملونها في حياتهم اليومية، ليس لديهم لغتان مثلنا: لغة للإذاعة، ولغة للحياة، ولذلك قررت بإصرار أن تكون لدي لغة واحدة هي الفصحى، لغة القرآن. وكان لابد لي من إتقان قواعدها، ثم التدرب على القراءة من دون تشكيل حتى أصبحت لي في النهاية لغة واحدة أتكلمها في البيت، في الشارع، في المكتب.. يحدثني الآخرون بلهجتهم المحلية، وأرد عليهم بالفصحى. وهكذا تمكّّنت من اللغة وصار سهلا علي الارتجال بها، وتوطدت بيني وبين اللغة العربية علاقة الحب، أنا أحب هذه اللغة. برامج المسابقات ظهرت قوة الدكتورعمرالخطيب عندما بدأ يقدم برامجه التي اشتهر بها، وهي برامج المسابقات التي قدمها من قطر أولا ؛ فهو في تلك البرامج المثيرة، لم MBC ثم من خلال محطة يكن مجرد مذيع عادي يطرح الأسئلة ويحكم بصحة الجواب أو خطئه، ولكنه كان فيها خطيبـا مدركـا لأبعاد الأسئلة التي يطرحها، ولديه غنى في الإجابة التي لا تعتمد على نعم أو لا، بل على معلومات مختزنة تدل على ثقافة شاملة. كان إتقانه للغة الإنجليزية لافتـا للنظر كذلك؛ فهو يتكلمها بطلاقة وجزالة تذكرك بشكسبير أو برنارد شو. عاش معنا الدكتور عمر الخطيب في زمن البدايات، وكان له دور فاعل ومؤثر في إنشاء الإذاعة والتلفزيون. آخر لقاء بيني وبينه، كان عندما استدعى المسؤولون عن الإعلام في أبوظبي جميع أولئك الرواد الذين

اللقاء الأول: لم يستغرق اللقاء أكثر من خمس عشرة دقيقة، تحدثنا فيها عن تجربتي الإعلامية السابقة، وبرامجي التي قدمتها في: إذاعة صوت العرب، وصوت فلسطين، وإذاعة دمشق. ولم أشعر خلال ذلك الحديث أن عمر الخطيب يمتحنني، أو يسأل أسئلة تهدف إلى معرفة قدراتي أو إمكاناتي الإعلامية بل كان لقاء وديّّـا مثي ارًً، حدثنـي فيه هو عن حياته وتجربته، وكان كعادته مرحا وحيويـا كأنه يقدم أحد برامجه المثيرة. في نهاية اللقاء، سجل عمرالخطيب على طلب العمل الذي قدمته هذه الجملة: «قابلت السيد خليل عيلبوني، فوجدته متعدد جوانب المعرفة، وأوصي بتعيينه مراقبـا للبرامج والأركان الخاصة». وقد استطعت الحصول على نسخة من هذا الطلب وما كتبه المرحوم عمر الخطيب عليه، وظلت هذه النسخة محفوظة لدي كأهم شهادة أعتزبها، وتأتي من إعلامي كبيركالدكتورعمر الخطيب، رحمه الله. فتحت لي شهادة المرحوم عمر الخطيب باب العمل في الإذاعة، وساعدتني كثيار في اللقاء الذي تم فيما بعد مع الأستاذ راشد عبد الله النعيمي الذي كان قد التحق حديثا بدائرة الإعلام بوظيفة وكيل لها، بعد أن ترك دائرة البترول التي عمل بها بوظيفة مهندس للبترول. لم يكن الدكتور عمر الخطيب مدي ار عاما للإذاعة والتلفزيون فحسب، بل كان هو نفسه مذيعا من الدرجة الأولى خاصة في

خليل عيلبوني ، كان موعدي مع السيد عمر 1971 في الثالث من يناير الخطيب الذي يشغل منصب المديرالعام للإذاعة والتلفزيون لإمارة أبوظبي. ولم يكن في ذلك الوقت قد حصل على الدكتوراه بعد. كان الموعد في مبنى التلفزيون، واسم مبنى التلفزيون هو اسم مجازي؛ فالمحطة لم تكن تشغل إلا دو ار واحدا من المبنى الذي يملكه سمو الشيخ سرور بن محمد آل نهيان في شارع حمدان. في ذلك الدور تحوّّلت الشقق إلى «استوديو»، وبعض المكاتب، وغرفة للمونتاج، وغرفة أخرى لتحميض الأفلام، فلم نكن قد وصلنا بعد إلى التصوير عن طريق الفيديو، وتحميض الأفلام كانت عملية مرهقة، وقد تُُسبب الأذى للفنيين العاملين فيها؛ لقوة نفاذ الأبخرة المستخدمة في عملية التحميض. أذكرأن أحد العاملين في التحميض دفع حياته متضرار من هذه العملية ولكن بعد سنوات عدة، حيث حاول الأخ عبد الله النويس عندما أصبح وكيلا لوزارة الإعلام أن يعالجه على حسابه الخاص، وطلب مني شخصي ّّا الاتصال بالدكتورمجدي يعقوب، وسؤاله عن إمكانية زراعة رئة بدلا من الرئتين اللتين تدمرتا بسبب تلك المواد، ولكن لم يكن الطب قد وصل إلى مثل هذه المرحلة، وفي النهاية سقط ذلك الفني شهيد الواجب.

كانوا في زمن البدايات لتكريمهم في احتفال لا ينسى، ترك في نفوسنا جميعا أث ار جميلاًً، وأدركنا خلاله أن الوفاء صفة أهل الإمارات الذين لا ينسون الجميل ويقدرون جميع من قدم لهذه الدولة من جهده وفكره وإبداعه. جئنا من كل حدب وصوب، واجتمعنا في المدينة التي احتضنتنا في ذلك الزمن الجميل، مدينة أبوظبي. جميل أن يُُكرََّم الإنسان في حياته.. لا كما يفعل العرب عادة حيث لا يتذكرون من يكرمونه إلا بعد أن يموت، وبعد أن يكون قد ردد ذلك المقطع الشعري المشهور: «إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر»، وهذه ظاهرة حضارية في دولة الإمارات غير مسبوقة عربياًً. عندما التقيت يومها ‏بالدكتور عمر الخطيب، وجدت خطوط الكبر قد توضحت في وجهه الجميل، وصوته المميز. وأذكر أنني عانقته بحرارة عندما ودعته كأنني أودعه الوداع الأخير: حاول أن تزورني في المغرب. قال: المغرب بلد جميل فعلاًً، وسأزورك إن شاء الله. ولكن الله لم يشأ، ومضى الدكتور عمرالخطيب ليلاقي ربه، بعد أن شنف آذاننا بصوته المثقف وتعلمنا على يديه: ماذا يعني الصوت المثقف، وماذا يعني صوت ال ببغاء. وأدرك جميع الذين عرفوا الرجل، وعملوا معه أو في ظل إدارته أنه: لا يكفي أن تكون ذا صوت رخيم، أو إذاعيا كما يقولون، ولا ذا شكل جميل «فوتوجنيك» كما اصطلح عليه مخرجو التلفزيون لتكون مذيعـا ناجحـاًً، بل لا بد من أن تملك مع الصوت والشكل الثقافة الكافية لتجعلك مؤهلا أن تدخل البيوت، وأن تكون مثلا يُُحتذى به. كان الدكتور عمر الخطيب في زمن البدايات الجميل، وسيظل على الرغم من رحيله في ذاكرة أبناء هذا الوطن الوفي كاتب وشاعر

أبوظبي خلال السبعينيات

107

106

2024 مايو 295 / العدد

الدكتور عمر الخطيب «فارس اللغة»

Made with FlippingBook - Share PDF online