ج ُُلََساء التراث
قد يََشي القول السابق، بتصادم بين دََارِِس ِِين شتّّى في مجال البحث التراثي، ظنا من القارئ أن التصنيف هنا لقضايا البحث يقوم على الفرز من منطلق أكاديمي، غير أن الأمريتخط ّّى ذلك عند باحثين بعينهم - وقيل ما هم - إلى سعي نحو معرفة تراثية تحقق متعة على مستوى القراءة أولاًً، وعلى مستوى الوعي بالتراث ثانياًً، وثالثا على أساس التميز عن الآخر أيضاًً، سواء من خلال القبول والإضافة، أو الرفض والانتقاد، وهو ما يظهر هنا في قراءة لكتاب أحد جلساء التراث. التراث.. ودراسة النفس
وما يحققانه من تفاعل وشراكة في صناعة التراث. نحن إذن أمام دراسة تتعلق بإعادة قراءة تراثنا الأدبي والفكري بمنهج متسلح بالمعرفة، كما يذكر الكاتب، لذا علينا النظر إليها من زاوية التنوع من جهة، والتأسيس لقضايا كلية من جهة أخرى، حيت التشابك والتداخل بين التجليات المختلفة للسرد العربي، ومنها «الظاهرة الدرامية». وعلى صعيد دقة هذه الدراسة في جانبها «الإشكالي» فإنها
) 3 ( الكتاب الذي بين أيدينا للمؤلف الدكتور«علي بن تميم» ، وقد أرفق هذا ) 4 ( حمل عنوان «السّّرد والظاهرة الدّّرامية» العنوان على صفحة الغلاف الخارجي بعنوان شارح لسابقه، هو: «دراسة في التجليات الدرامية للسرد العربي القديم».. الكتاب يطرح نوعا من الدراسات التراثية المميزة، التي قد تغنينا عن سواها من الأبحاث في هذا المجال، وذلك لأسباب كثيرة منها: وضوح الرؤية لدى مؤلفه، وتحديده لمجال بحثه، وتعمقه في موضوعه، ودخوله في حوار مباشر نقدي وهادف مع المؤلفين المعاصرين السابقين، على قلتهم، في التراث السردي العربي. وضوح الرؤية لدى المؤلف، بدََا جليا من الكلمات الأولى في الكتاب، حيث يقول علي بن تميم: «يتمثل مسعى هذا البحث في دراسة جهود النقاد في تحليل صور من السرد العربي تحليلا درامياًً، أي إنه يحاول تتبع معاينة النقاد للعناصرالدراسية في السرد العربي القديم، انطلاقا من أهمية التراث باعتباره مصد ار أساسيا من مصادر الإبداع والنشاط .) 5 الفكري والحضاري في الحياة الإنسانية..»(ص وهذا الوضوح، وإن مثل رغبًة بحثية خالصة لدى المؤلف، إلا أنه في الوقت ذاته، جمع لديه بأهمية دراسة التراث بالنسبة إلى الأمم، بغض النظر عن الأساليب التي تتخذها في التعامل معه، والأكثر من هذا أهميته للأفراد، بما ينتهي لديه إلى أمرين، الأول: أن الاعتكاف على دراسة التراث يعتبر دراسة لأنفسنا، والثاني: أن الخطاب على الماضي هو في الآن ذاته خطاب عن الحاضر.. وهكذا يستحضر ابن تميم من البداية العنصرين: البشري والزمني،
قراءة في كتاب «علي بن تميم» «السرد والظاهرة الدرامية».. «نقد النقد» للتراث الأدبي العربي
خالد عمر بن ققه كلما غ ُُص ْْت في قضايا التراث أو اقتربت منها، أزيحت من أمامي ح ُُجب حالت في كثيرمن الأحيان دون وصولي إلى تعمق في ، بل ) 1 ( فهم ينيرالبصيرة بأهمية تلك القضايا من ناحية «معاصرة للتراث»، كون هذا الأخيريمثل «مشروعا دائما للتجديد» إنه يحملنا معه صوب المستقبل، يرافقه ويرافقنا ماضيه لحظة الميلاد الأولى للقضايا وحتى الظواهر التاريخية والثقافية. وطرح إزاحة حجب التراث، أو عجزها، هي عن بقائها في حالة من الاستقرار أو الديمومة، يمثلان جهدا بحثيا لا يمكن ِق من أطروحات الماضي، بحيث لا تكتفي بماضويتها، ولا �ِّ الوصول إليه، إلا إذا كان الهدف هنا تشكيل وعي جديد يُُعم حتى بحضورها الآني من ناحية «راهنيتها» - الظاهرة أو المستترة - وإنما تعبُُر بالبشر على المستويات النظرية والعملية، أيضا ًً، إلى أزمنة قريبة أو بعيدة. ) 2 ( و«الإمبريقية» وفي محاولة العبور- باعتبارها منهجا وهدفا - تظهرالحالة الإبداعية في مجال البحث التراثي، خاصة إذا تعلق الأمربقضايا عصي ّّة عن التناول، وشكلت موضوعاتها محطات رئيسية بين أزمنة متباعدة، ف ََع ََل ََت في الظواهروأصحابها فعلتها، مع عدم اكتراثها بالجغرافيا بمعانيها وتطبيقاتها المعاصرة، حيث الحكم الجائر عليها من أهل الحاضر، ما يعني أن الاقتراب منها دراسة يمثل نوعا من الجرأة، التي لا تصدر إلا من الذين اختاروا سعة البحث عن الخفي والمجهول عن ضيق التسليم بمعرفة ما هي كذلك، أو القبول بنتائج دراسات ما رعاها الباحثون حق رعايتها.
111 2024 مايو 295 / العدد
110
قراءة في كتاب «علي بن تميم» «السرد والظاهرة الدرامية».. «نقد النقد» للتراث الأدبي العربي
Made with FlippingBook - Share PDF online