ج ُُلََساء التراث
تتفادى الاعتماد على طرح «الدارسين المحدثين» الذين تنالوا أجزاء من السرد العربي القديم على أنّّه «فن مسرحي»، وبدل ذلك تقدم رؤية نقدية حديثة للتقنيات الدرامية في السرد العربي القديم، ولا يتم ذلك بتطويع قسري، أو من خلال تعسف في التحليل، كما هو شائع في دراسات وأبحاث بعض المجالات التراثية الأخرى. نص المتفر ِِّج الكتاب يحتوي على تمهيد، وأربعة فصول، وخاتمة، في التمهيد اختار المؤلف أو خلص إلى تعريف لمفهوم الدرامية بناء على قراءات ودراسات سابقة لغيره من الدارسين، وكذلك المعاجم، التي تحاشت - في نظر الكاتب - إيجاد مفهوم قاطع في تعريف الدراما، واكتفت بذكر أشكالها وتنوعاتها، ولهذا انتهى من خلالها إلى القول: «.. بكلمة الدراما نعني ذلك الضرب من المتخيل المصمم للتمثيل والمبني على اتفاقات دراميّّة .) 7 خاصة..»(ص وفي تتبّّع ِِه وشرحه ونقده للنص على خلفية الرؤية التي طرحها، يحدثنا ابن تميم عن النص، الذي يراه يتمتع بقدرة حيوية على بث العوالم الدرامية داخل المتفرج والقارئ، مع اختلاف بينهما في تلقي هذه العوالم، ضاربا مثلا عن علاقة المتفرج بالملفوظات المسرحية، باعتبارأن هذا الأخيريكون في مواجهة ثلاثة نصوص درامية في العملية المسرحية: نص الكاتب، ونص المخرج، ونص الممثلين، ومع ذلك فهو - المتفرج بالنسبة إليه: «يشارك بشكل إيجابي في العرض المسرحي، فالنص الدرامي بهذا المعنى يتشعب إلى أربعة نصوص إذا ما دخل المسرح، أما إذا بقي النص الدرامي بمعزل عن العرض، فلا يشكل إلا .) 9 نصيّّن، نص المؤلف ونص القارئ»(ص القول السابق، وإن بدا حديثا عن قضايا عصرية، خصوصا تناوله للعلاقة بين النص والمسرح والمتفرج، إلا أنه يصب في موضوع الدرامية، وفي السياقات المختلفة عن الحديث عنها، وفي الأسباب التي أسهمت في ظهور مفهومها، وقد حددها علي بن تميم في خمسة أسباب هي: - موقف النقاد من النص الدرامي، واعتباره نصا أدبياًً، 1 بحيث لم يفرقوا بينه وبين الأجناس الأدبية الأخرى. - موقف نقََّاد المسرح، حيث لم يكتفوا بتاريخ الأدب 2 المسرحي فحسب، بل تناولوا علاوة على الأدب المسرحي الظاهرة الدرامية.
- مفهوم «الدراما» غير المحدد والعريض، جعل الأشكال 3 الأدبية الأخرى، تشترك - ولو بصفات قليلة - معها. - لأن الدراما لم تعد حكار على الفن المسرحي، بعد أن 4 تعقدت الحياة، واشتد الصراع متخذا نزعة العنف وطابع التحدي بين مناهج العلم والروح. - لأن مصطلحات السرد الحديثة معظمها كانت في الأصل 5 مصطلحات مسرحية. الس ِِّياقات.. والأداء قضايا كثيرة طرحها الكاتب وهو يعرّّف «الظاهرة الدراميّّة»، حيث الطواف المتأني، والحوار المثمر، والقصديّّة المعرفيََّة ، بما حق له من اقتباس، أو ) 5 ( في مناقشته لأطروحات الآخرين نقد، أو تصريف، وانتهى بعد ذلك إلى نتيجة مفادها: أن فهم النقاد المعاصرين للدرامية يتجه إلى رؤى تختلف تفاصيلها، ولكنها تنطلق جميعها إلى الرؤى التالية: - رؤيتهم للعمل الدرامي في السرد العربي القديم. - رؤيتهم للمتلقي الدرامي في السرد العربي القديم. - رؤيتهم للمؤدي الدرامي في السرد العربي القديم. - رؤيتهم المتشابهات الدرامية: بين الإغريق والمسرح الأوروبي من جهة وبين السرد العربي القديم من جهة أخرى. تلك الرؤى جميعها، بحثها المؤلف بالتفصيل في كتابه هذا، الذي تضمََّن أربعة فصول، حمل الأول منها عنوان: «الأداء الدرامي: تحديد المفاهيم في السياقات الس ّّردية»، وفيه تطرق الكاتب - لأجل تحديد المفاهيم في السياقات الدرامية - إلى كل من المصطلحات الآتية: «الميامس، والحكاية والخيال، والكرّّج والسماجة، والمضحك - أو المهرج - والمََس ََاخر والمُُحبََّطون والص ّّفاعِِنََة، واللعب والملاعب واللعابون، والمخنثون، وخيال الظل والبابة». وأهمية هذا الفصل - كما يرى الكاتب - تأتي من كونه يناقش المصطلحات الأكثر ترددا وإشكالا قي أبحاث النقاد، وهذا لتحقيق هدفين، الأول: بغية فهم المصطلحات التي قدموا من خلالها وجهات نظرهم، والثاني: اعتماد تلك المصطلحات بشكل كبير في مؤلفه هذا. وفي الفصل الثاني: «التجليات الدرامية في السرد القديم»، تناول رؤية النقاد للعمل الدرامي في السرد العربي القديم، ووََض ََّح رؤيتهم للشخصية والنموذج الإنساني، والبناء الدرامي واللغة الدرامية، كما عرض العلاقة الدرامية بين الشعروالسرد.
وفي الفصل الثالث: «الأداء الدرامي في السرد القديم»، تناول رؤية النقاد للمؤدي، وللأداء الدرامي في السرد العربي القديم، فيه على أشكال الأداء، وأنماط المؤدين، والمرأة ا � متوقف المؤدية، والإخراج.. والتنكر السردي، وغيرها من الوسائل الملازمة أو المصحابة للأداء. وتناول الفصل الرابع: «التلقي الدرامي في السرد القديم»، رؤية للنقاد للمتلقي الدرامي في السرد العربي القديم، حيث تم التطرق إلى المتلقي العام والخاص، والمتلقي الإيجابي المشارك في الأداء والسرد، والمرأة المتلقية، والمتلقي المعياري، ووضع المتلقي، وأغراضه. لقد قام الكاتب بتفكيك القضايا التي وردت في فصول كتابه، الكلية منها والجزئية، وذهب إلى تكثيف مادة بحثية مََس ْْنُُودة بمراجع عربية وأعجمية، يمكن التعويل عليها في دراسات مثيلة لها أو قريبة منها مستقب ًلاً. وخلاصة القول: إن هذا الكتاب يعد مرجعية في هذا مجال التراث الأدبي، وعلينا أن ننظر إليه - قراءة وفهما - من زاوية تواصل أمتنا مع التراث ليس لإثبات وجودها على المستوى الإبداعي التعبيري في ماضيها البعيد فحسب، وإنما للقول بإمكانية استنهاض ذلك الإبداع في عصرنا من خلال التعبير عن كل شيء أيضا ًً، الأمر الذي يجعل من «العربية لغة جامعة وآمنة، وحامية للموروث، على النحو الذي ذكره الدكتور علي ) 6 ( بن تميم في حوار سابق» كاتب وصحفي - الجزائر الهوامش والمراجع: - من القائلين بهذه الفكرة الدكتور عبد العزيز المسلم، رئيس معهد الشارقة 1 للتراث، لمزيد من المعلومات شاهد:
) - كائنات الإمارات الخرافية والشارقة والعرب.. 37 - «شيء يذكر» الحلقة ( وإحياء التراث.. حوار مع الدكتور عبد العزيز المسلم، أجراه خالد عمر بن ققه م.. رابط الحلقة: 2023/06/19 https://www.youtube.com/watch?v=s8K1HB30KmI - مصطلح» إمبريقية» يعبرعن الخبرة، والخبرة مصدرها الحواس، وبالتالي فإن 2 المعرفة الإنسانية تستمد شرعيتها من مرورها بهذه الحواس حتى تصبح بذلك قابلة للتحقق من صحتها، ومفهوم الإمبريقية يدل على كل ما يتعلق بدراسة المجتمع الإنساني بالاحتكام إلى الواقع المحسوس سواء في اختيار المشكلة، وجمع الحقائق، أو تصنيف البيانات، وتحليلها.. لمزيد من التفصيل، راجع: - تعريف الإمبريقية - مصطلحات اجتماعية، موقع «سوسيو كلوب» على الرابط: https://www.socioclub.net/2022/10/Empirique.html - د. علي بن تميم.. رئيس مركز أبوظبي للغة العربية التابع لدائرة الثقافة 3 والسياحة، ويشغل حاليا منصب الأمين العام لجائزة الشيخ زايد للكتاب، ورئيس تحرير مجلة المركز للدراسات العربية، بالإضافة إلى المنصة الإخبارية «موقع الإخباري».. له العديد من المؤلفات، منها: النقاد ونجيب محفوظ - الرواية: 24 م)، الإسلام وتاريخ 2003 من النوع السردي القاتل إلى جماليات العالم الثالث ( م)، 2018 م)، بنت ابن ظاهر.. أبحاث في قصيدتها وسيرتها الشعبية ( 2010 العرب( م)، كتاب الشعر على 2019 زايد بن سلطان آل نهيان: سيرة التحول والنهوض ( م). 2021 الشعر ( ـ علي بن تميم، السرد والظاهرة الدرامية، المركزالثقافي العربي، الدارالبيضاء، 4 م. 2003 المغرب، بيروت، لبنان، ــ يظهر ذلك في الكم الهائل من المراجع القديمة والحديثة، التي اعتمدها 5 الكاتب في دراسته. )، حديث عن اللغة العربية في ماضيها القومي 47 ــ انظر: «شيء يذكر» الحلقة ( 6 وحاضرها الإماراتي.. ومستقبلها العالمي، حوار مع الدكتور علي بن تميم، أجراه م.. على الرابط: 2024 \02|08 خالد عمر بن ققه - https://www.youtube.com/watch?v=oeKzVUK37pw
113
112
2024 مايو 295 / العدد
قراءة في كتاب «علي بن تميم» «السرد والظاهرة الدرامية».. «نقد النقد» للتراث الأدبي العربي
Made with FlippingBook - Share PDF online