إبل الإمارات: ركيزة مستدامة للتراث والمجتمع
الإماراتي، بما صنعه لتشجيع مربي الإبل على الاهتمام بها، فعمل على تخصيص الأراضي لملاك الإبل وغيرهم، ووف ّّرالماء، وأوصله إلى عمق الصحراء، ليخدم النهضة الزراعية والتطوّّر العمراني على السواء، ووجه بإقامة ميادين سباقات الإبل، فأقيمت ميادين عدة في كل إمارة من إمارات الدولة، وأقيمت مهرجانات «المزاين» في جميع أنحاء الدولة، وخُُصصت للمشاركين الجوائز، كما وحظيت تلك السباقات والمهرجانات بالرعاية والاهتمام من سموه ومن القيادة الرشيدة من بعده، التي ترى في الإبل معطى حضاريا وتاريخيا وأصالة ضاربة في القِِدم، فعظ ََّمت من شأن السباقات الخاصة بالإبل وطو ََّرت في برامجها وفعالياتها، ووس ََّعت من دائرة استقطابها لتشمل دول المنطقة. سبق عالمي في سباقات الهجن تُُعد الإمارات أول دولة في التاريخ الحديث تقيم سباقات للهجن العربية الأصيلة، وقد رصدت لها جوائز مالية وعينية دفعت الناس إلى الاهتمام أكثر بالهجن. وتتويجا للاهتمام الرسمي م 1992 بشؤون الإبل عموماًً، والهجن خصوصاًً، شهد عام قيام اتحاد لسباقات الهجن، وكان لهذا الاتحاد دوره في انتشار سباقات الهجن في المنطقة وخارجها، إذ بدأت معه هذه الرياضة تحظى باهتمام كبيرفي عدد من الدول الأوروبية، حيث رعى تنظيم عدد من السباقات الناجحة في نهايات القرن الماضي في كل من ألمانيا وأستراليا. ويُُعد مهرجان الظفرة أكبر مهرجانات الإبل في المنطقة، ويشهد أكبر تجمع للإبل، وهو يدعم جهود استدامة تراث الإبل بخاصة والتراث الإماراتي بعامة، بفعاليات متنوعة، أساسها سباقات الهجن، إلى جانب مسابقات المزاينة التي عُُدََّت فيها مسابقة «بيرق الإمارات»، من أولى المسابقات النوعية المعنية ببعض فئات الإبل، وغدت الحلم الذي يسعى إليه أشهر ملاك الإبل في منطقة الخليج العربي من أجل الوصول إلى منصة التتويج، ك الإبل من دولة الإمارات ودول الخليج ا إذ يلتقي سنويا مُُلّا خلال المهرجان الذي بات يشكل جس ار بين الماضي والحاضر، إذ حرصت هيئة التراث المسؤولة عن تنظيمه على أن يعمل على نقل العادات والتقاليد الإماراتية الأصيلة إلى الشباب، ضمن فعاليات شاملة وتعليمية، بما يضمن استمرارية التراث وتقديره، عبرتجربة غنية ومتكاملة تحتفي بالتقاليد الإماراتية، وتعزز من قيم الاستدامة للأجيال القادمة.
في هذه المنطقة منذ القِِدم، فقد كان فريق من باحثي هيئة أبوظبي للثقافة والتراث قد اكتشف منذ العقد الأول من القرن الحالي في المنطقة الغربية من إمارة أبوظبي هياكل عظمية ) آلاف عام 6000 جملا بريا تعود عظامها لأكثر من ( 40 لنحو مما شك ََّل اكتشافا علميا جديدا على مستوى العالم.. ومثََّلت الهياكل العظمية للج ِِمال التي تم اكتشافها في منطقة بينونة الصحراوية أكبرعي ّّنة من عظام الج ِِمال البرية التي تم اكتشافها في شبه الجزيرة العربية. كما عثر المنق ّّبون على مجموعة من عظام الجمال تعود إلى حولي الألفين الخامس والرابع قبل الميلاد ضمن مقبرة ضخمة في مواقع، مثل: جبل البحايص، وتم العثور على أدلة مماثلة - أي عظام جمال - في مواقع في جزيرة غناضة، ومنطقة هيلي في مدينة العين وشمل وتل أبرق. وفي جزيرة أم النار، تم العثورعلى رسم لجمل على حجرجيري ضمن الجدار الدائري لأحد القبور التاريخية فيها. وفي الجزيرة عظمة 200 أيضا ع ُُثرعلى كميات كبيرة من العظام، من أبرزها للجمال التي ي ُُعتقد أنها كانت مستأن ََسة وليست برية، ويبدو أن الجمال في هذه الفترة استخدمت لغرض النقل، حيث كانت تنقل النحاس من أماكن الإنتاج إلى الجزيرة بهدف التصدير إلى الخارج وبالذات إلى بلاد الرافدين. تراث م ُُعظ ََّم بنهج مستدام في الإمارات كانت الإبل وما زالت متجذرة في حياة المجتمع الإماراتي، فهي جزء من حركته اليومية، سواء في البادية أو الساحل، وكان الإماراتيون يهتمون بالإبل وتغذيتها وامتلاك الأصيلة منها، وهم إلى اليوم يعتزون بإبلهم رغم التحض ّّر والتقدم العمراني الذي شهدته الإمارات. ولم يقتصر هذا الاهتمام على فئة خاصة من المجتمع، بل شمل الجميع، رغم الانتقال من زمن البداوة إلى زمن الحضارة. وتشهد الفيافي خارج المدن والقرى على هذا الاهتمام، إذ أعد ملاك الإبل لإبلهم أماكن خاصة، يطلق عليها اسم «العِِزََب ْْ». وكان لمؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّب الله ثراه - دوره الكبير في الحفاظ على استدامة هذه الركيزة من ركائز التراث
معها القلم الآرامي - النبطي والتدمري الذي وُُجد في مناطق متفرقة في شمال الجزيرة العربية ووسطها، كما نقلت القلم الآرامي - البهلوي أيضا الذي وُُجد في أختام وأوزان البرونز، كتلك المكتشفة في موقع قرية «الفاو» عاصمة مملكة كندة الأولى. قامت الطرق التجارية بما سلكها من قوافل الإبل في الجزيرة العربية وجيرانها بدور كبير في قولبة أنظمة المجتمعات الحضارية والدينية خلال حقبة ما قبل التاريخ وفجره. وتشيرالمعثورات الفخارية التي كانت ضمن السلع التجارية ق.م) على امتداد الساحل الشرقي 5000 - 6000 في مواقع حضارات العبيد ( للجزيرة العربية إلى صلات وثيقة بمراكز حضارية مع المناطق المجاورة. كما كان لوجود الطرق التجارية القديمة في الجزيرة العربية، وما صاحبها من تداخل ثقافي واجتماعي، دور أساسي في إيجاد تراث ديني مشترك لعرب الجزيرة العربية جنوبها وشمالها. وتشيرالأدلة الآثارية إلى أن معبودات عرب جنوب الجزيرة كانت ضمن معبودات عرب الشمال، كما كانت معبودات عرب الشمال تُُعبد عند عرب الجنوب. وتواصلت علاقات الجزيرة العربية التجارية مع بلاد فارس عبر الطريق البري لواحة البريمي، فالموجودات التي ع ُُثر عليها في كل مكان من مواقع، مثل: بتيحي، وبامبر وغيرها في إيران لها ما يناظرها في مواقع هيلي، وأم النار في دولة الإمارات العربية المتحدة. كما تميزساحل الجزيرة العربية الشرقي بصلات تجارية وحضارية وثيقة مع الهند منذ حقبة ما قبل التاريخ المتأخر. الجمل في الإمارات منذ الق ِِدم يربتط تاريخ وجود الإبل في دولة الإمارات العربية المتحدة بتاريخ وجودها في الجزيرة العربية، وثمة العديد من الأدلة الآثارية التي تؤكد على وجود الجمال
13
12
2024 مايو 295 / العدد
الإبل في الإمارات.. من ع ُُمق التاريخ إلى آفاق الحضارة
Made with FlippingBook - Share PDF online